nasser

              

ناصر قنديل

مع زيارة المبعوث الفرنسي إلى بيروت وجولات أم العروس الفاضية والمشغولة التي استهلكت مدة إقامته، يمكن القول إنّ واشنطن وطهران نجحتا في إغواء باريس بحملة علاقات عامة تعويضاً عن تهميش دورها الفعلي في المشهد الجديد للمنطقة، فقد أنفق نائب وزير الخارجية الفرنسي جان فرنسوا جيرو قبل قدومه إلى بيروت، أسبوعين كاملين وهو يذهب ويعود بين باريس وطهران لأربع مرات ليضمن مقابلة وفد من حزب الله، برئاسة مسؤول مكتب العلاقات الدولية في الحزب، بينما كان يشاهد على شاشات التلفزة صور نائب وزير الخارجية الروسي الذي يوازيه بروتوكولياً وهو يلتقي السيد حسن نصرالله.

فرنسا تحلم بالتأسيس لدور الوسيط في الانتخابات الرئاسية اللبنانية، وتسلّم أنّ التوقيت لم يحن بعد، لكن التأسيس ضروري من الآن، وتظنّ فرنسا أنها فعلت، وذلك يستدعي التجوال على الأطراف المعنيين من جهة، والحصول على ثقتهم وقناعتهم بجدية فرنسا بلعب دور الوسيط، والاعتماد على دعم اللاعبين الكبار في الخارج لإقناع القوى المحلية بالتفاعل إيجاباً مع المهمة الفرنسية من جهة أخرى، ففرنسا التي يربطها بلبنان تاريخ طويل، لا يحوز أن تشهد خواتيم أزمات المنطقة وتخرج من المولد بلا حمص، بعدما تيقنت أن لا خبز لها في سورية.

الأطراف اللبنانية تستقبل كل زائر خارجي وتبتسم له حتى ولو كان من الصومال، وتتلو أمامه فهمها للانتخابات الرئاسية وهذا ما يمكن القول أنه كان حال لقاءات جيرو، فلم يسمع إلا في أماكن محدودة، كلاماً يخرج عن الذي قرأه في الصحف قبل المجيء إلى بيروت، ولم يسأل نفسه قبل المجيء، ولا سأل رئيسه لماذا يتوقع من اللبنانيين أن يضعوا بين يديه مادة صناعة التسوية ويحتفظوا له وحده بالخطوط النهائية الحقيقية للتنازلات التي يمكنهم تقديمها لصناعة الحل؟

فرنسا منضوية في حلف الحرب على سورية، وهي بين الدول الأشد خبثاً وشراسة في هذه الحرب، وفرنسا فرنسوا هولاند هي من قاد أوروبا إلى بدعة تصنيف جناح عسكري لحزب الله على لائحة الإرهاب، وفرنسا هولاند أشد حماسة لـ»إسرائيل» دولة يهودية من كثير من الصهاينة المتطرفين، ووزير خارجية فرنسا لوران فابيوس كان في مفاوضات فيينا حول الملف النووي الإيراني، متخصصاً باختراع العقد كلما بدا أن الأمور تتجه نحو الحلحلة، فلماذا ينتظر جيرو من حلفاء سورية وإيران والمقاومة أن يحتفظوا بأثمن الهدايا كرمى لمجيئه؟ وفي المقابل لماذا يفعل ذلك جماعة السعودية وجيرو ذهب إلى طهران وليس إلى الرياض، والرياض التي فقدت دورها في حل الأزمة اليمنية والأزمة السورية والأزمة العراقية لم يتبق لها إلا لبنان تظهر خلاله كلاعب إقليمي وازن؟ ولماذا تفعل واشنطن وطهران والرياض لحساب باريس ما لا تستحق ولا تملك أسباباً للتطلع إليه في مقاسمتهم الأدوار؟

كان يمكن لفرنسا لو حافظت على صفة المدافع عن الوجود المسيحي في الشرق، وعن بوابته اللبنانية التي تمثلها رئاسة لبنان أن تكون حاضرة بالتأكيد من هذه الزاوية، لكن بعد سنوات من تبني فرنسا وتسليح ودعم من أسمتهم بثوار الحرية في سورية وهم يهجرون المسيحيين ويحرقون كنائسهم، خسرت فرنسا كل نفوذ بينهم وصارت بنظرهم متآمراً وشريكاً في الحرب على الوجود المسيحي.

كان قد تبقى لفرنسا باب واحد هو أن تتبنى فريقاً مسيحياً وازناً يملك مرشحاً للرئاسة فتصير ناخباً لا وسيطاً، وشريكاً بطاولة المفاوضات، لكن الغباء والجبن الفرنسي يحولان دون ذلك، فتبنت من لا يعترض على تبنيه الأميركي والسعودي بسبب قلة حظوظه وليس العكس، النائب روبير غانم وحاكم المصرف المركزي، وهما من خارج نادي المرشحين الأقوياء، وكان بمستطاع فرنسا أن تتبنى بين الأطراف المسيحية الفاعلة حزب الكتائب، وبالتالي ترشيح الرئيس السابق أمين الجميل الذي لا يحظى بدعم حليفي باريس في واشنطن والرياض فتصير شريكة لهما في طبخة الرئاسة، خصوصاً أن لا فرص لها بالتقدم كراع وعراب لترشيح أي من سائر المرشحين الأقوياء أو الكبار.

يقال أن ثمة من اقترح ذلك في الكي دورسيه قبل زيارة جيرو، لكن تدخلاً لبنانياً وإقليمياً من حلفاء موثوقين للصيفي أفسد المهمة.

(البناء)