Get Adobe Flash player

nasser

ناصر قنديل

من الحالات النادرة التي تؤشر على الدور المفصلي لها في صياغة التوازنات، تدور المفاوضات حول حلب بالواسطة عبر أقوى دولتين في العالم هما روسيا وأميركا، فالتفاوض لا يجري بين العواصم الإقليمية التي تتواجه في معركة حلب مباشرة ويجري التشاور مع العواصم الكبرى، العكس هو الذي يجري، تتفاوض دمشق مع أنقرة والرياض عبر واشنطن وموسكو، وليس مردّ هذا إلى وضعيتين مشابهتين في حال حلفاء كلّ من واشنطن وموسكو. فالواضح أنّ موسكو ودمشق تعزفان على موجة واحدة رغم كلّ الترويج لمراهنات على خلافات وتمايزات سرعان ما تسقطها المواقف والتطورات، بينما تشير الوقائع ويؤكد الاستنتاج أنّ ثمة مقاربات غير متطابقة ومواقف غير منسجمة بين واشنطن وحليفيها الإقليميين في أنقرة والرياض.

بعيداً عن التكهنات، بعدما صار القرار الأممي 2254 جدول أعمال الحلّ السياسي في سورية، ولم يعد البحث في الرئاسة السورية شأناً يمكن لغير السوريين أن يقرّروا فيه، بقيت نقطتان خلافيتان واضحتين، واحدة في كيفية إدارة الهدنة في سورية، وثانية في مساعي استثمار قضية اللاجئين تحت شعار كيفية تأمين إيوائهم، وبدا واضحاً أنّ في النقطة الأولى شكلت وتشكل الجماعات المسلحة التي تدعمها الرياض وأنقرة وتصنّفها سورية إرهاباً قضية الصراع بين سورية وكلّ من أنقرة والرياض، وكان واضحاً أنّ «جبهة النصرة» تشكل العمود الفقري والعصب الجامع لهذه الجماعات، وأنّ تعثُّر الهدنة ووقف النار انطلق من هذه النقطة ولا يزال، والواضح أنّ موسكو تشارك حليفتها سورية الموقف بالكامل وتتبنّاه وترفعه إلى مستوى الهدف الرسمي للمفاوضات مع واشنطن، والواضح أنّ التطورات الميدانية التي نتجت عن التموضع الروسي في الحرب من جهة، وتلك التي حملتها مخاطر تجذُّر الإرهاب من جهة مقابلة، قد سمحتا للمشاورات الروسية الأميركية أن تصل إلى نقطة تظهّرت في أحكام الهدنة التي جرى استثناء «جبهة النصرة» من أحكامها، وبدا في المقابل أنّ القبول التركي السعودي بهذا المفهوم تمّ على مضض وبسبب فراغ اليد من بدائل، والخوف من مواصلة الصراع المسلح الذي ظهر أنه في شروط لغير صالحهما، كما بدا أنّ قبول جماعة الرياض لم يكن صريحاً، ويبدو الآن أنّ ما يجري في حلب هو محاولة الانقلاب على أحكام الهدنة ومحورها «جبهة النصرة» وموقعها في الخريطة السورية، عنوان الحرب المندلعة هناك، وهو عنوان ليس سهلاً على واشنطن أن تتطابق معه في السياسة ولو كانت تمنياتها أن يفوز حلفاؤها برهانهم.

النقطة الثانية كانت تلك التي حملها الرئيس التركي ودار بها العالم وشكلت محور سياساته لأعوام الحرب على سورية، تحت مسمّى المنطقة الآمنة القائمة على حظر جوي في شريط سوري حدودي تتوضّع فيه فصائل سوريّة تابعة لتركيا، ويشكل منطقة نفوذها التفاوضي على مستقبل سورية، والهدف التركي الممتدّ لسنوات قبل التموضع الروسي كان يُلاقى بتمنع أميركي وغربي خشية ما يترتب عليه من مخاطر خوض حرب يعرف الغرب، وخصوصاً الأميركيين أنهم لو كانوا قادرين عليها لفعلوا ذلك من بوابة مختلفة وبشروطهم. وهذا معنى مجيء الأساطيل الأميركية وعودتها دون خوض حرب في سورية، والهدف التركي المستمرّ صار بعد التموضع الروسي عبئاً على الغرب وعلى الأميركيين، واضطروا لصدّه علناً، حتى عندما استخدم سلاح اللاجئين للضغط على أوروبا فدفعت مالاً طائلاً ولم تتقبّل المخاطرة التي يتضمّنها الطلب التركي. وفي حرب حلب اليوم يبلغ الحراك التركي مداه، وذروته لكنه في خط النهاية، فهذه آخر الفرص وآخر معارك المنطقة الآمنة التي حلُم بتحقيقها وحفظ نفوذه عبرها.

نجحت روسيا بالتراكم التفاوضي مع واشنطن بإرساء بناء دبلوماسي هرمي لمقاربة الأزمة والحرب في سورية، لا يمكن العودة فيه إلى الوراء، في مقدّمتها أنّ الحرب على الإرهاب هي الأولوية، وأنّ تسوية سوريّة ـــــ سوريّة توفر فرصة مشاركة حكومة سوريّة موحّدة معترف بها من الجميع تشكل إنجازاً هاماً في تشكيل جبهة عالمية وإقليمية قادرة على هزيمة الإرهاب ومنع تمدده ومخاطره، وأنّ هذه التسوية يجب أن تكون سورية سورية، وأنّ مفرداتها الداخلية شأن سوري خالص، تحت عنوان ما لا يحله التفاوض تحله صناديق الاقتراع، وأنّ وقف القتال بين الدولة ومعارضيها يخلق بيئة مناسبة لهذه التسوية، وأنّ الفرز بين مكونات المعارضة والتشكيلات الإرهابية شرط لضمان وقف النار. ووصل كلّ ذلك إلى نقطة هي حسم أمر «جبهة النصرة» كعدو للعملية السياسية، وحسم صرف النظر عن المنطقة الآمنة، وليس سهلاً على واشنطن تلبية النداءات التركية السعودية، مهما تضمّنت من إغراءات وإشارات لفرص مناسبة، أن تعود إلى مربع كانت فيه منذ ثلاث سنوات واختبرت كلّ فرصه في شروط أفضل، وتعرف سلفاً وبالتفاصيل المترتبات الناتجة عن انهيار تفاهماتها مع موسكو.

تقف موسكو ودمشق اليوم عند بوابة حلب وبيدهما مضمون تفاهمات موقعة من واشنطن، وقرارات أممية صادرة عن مجلس الأمن، وبوابة التفاهم الجديد محكومة بما سبقه من تفاهمات، بحسم هوية معركة حلب كحرب بين الدولة السورية و«جبهة النصرة»، وكتطبيق لأحكام الهدنة، وليس بصفتها خروجاً عليها، وبالتالي تصنيف الواقفين مع «النصرة» كمنقلبين على الهدنة، وخارجين على العملية السياسية، وليس بيد واشنطن أن تقول ذلك، ولا أن تقول عكسه، لكن الحرب آتية وحاسمة، وليست نتائجها سهلة الهضم، فما بعدها غير ما قبلها، وسورية عازمة مع حلفائها وفي مقدّمتهم روسيا على حسم الأمر هناك، وقد أعدّت ما يلزم لذلك. وحلفاء واشنطن من جماعة الرياض ومشغليهم في أنقرة والرياض اختاروا الوقوف في حلف الخاسرين، وعلى واشنطن أن تختار بين ترجمة التزامها بالتفاهمات، وتوفير فرصة لجلب مَن يمكن جلبه إلى خيار التسوية والهدنة، أو الارتباك والتردّد والخروج من الحرب بلا حلفاء يُعتمد عليهم في التسوية، وما اختارته واشنطن يبدو أنه التقدّم بخطوة إلى الأمام والتراجع بخطوة إلى الوراء، والحسم تباعاً على إيقاع الحرب وليس قبلها، ولا انتظار ما بعدها.

هي الحرب آتية، وحاسمة، وستقول الكثير في ثناياها.

(البناء)