nasser

ناصر قنديل

- يتوزّع المتحدثون عن الغارات «الإسرائيلية» مساء أمس على محيط دمشق بين قسمين كبيرين، قسم مهتم بمحاولة فهم ماذا وراءها وهل هي بداية لمرحلة جديدة، بعد توقف مديد نسبياً لمثل هذه الغارات، وقسم منصرف للتساؤل هل ستردّ سورية وكيف، والحقيقة أنّ الأمرين جديران بالتساؤل والتفكير والتحليل، لكن بعيداً عن مشاريع الشيطنة والمزايدة الفارغة.

- في تفسير الأسباب نبدأ من القيمة العسكرية صفر للغارات، ومن تحرك شبكة صواريخ الدفاع الجوي لمنع الطائرات من الاقتراب من تحقيق أهداف تذكر غير تدمير مخازن قديمة فارغة وبعض المدرّجات التي يسهل استبدالها فوراً وترميمها في زمن قصير، لذلك يجدر البحث في التفسير السياسي للرسالة التي حملتها الغارات وليس في الاستغراق بالبحث عن قيمة عسكرية لن يجدها الباحث.

- في التفسير السياسي لا يمكن فصل الغارات عن أربعة مشاهد متداخلة، الأول هو ما يجري داخل الكيان حيث التفسّخ الحكومي وصل إلى مدى فرض حلّ الكنيست والتمهيد لانتخابات جديدة، وفي ظلّ طريق مسدود تواجهه الطبقة السياسية «الإسرائيلية» في قراري الحرب والسلام، يصير الذهاب للانتخابات مثل عدمه أعجز من أن يؤدّي إلى غير المزيد من التشظي السياسي، فالقرارات بالذهاب إلى السلام جاءت بإسحاق رابين بغالبية وفشل السلام بعد مقتل رابين، وولادة اتفاقات أوسلو جلبت أرييل شارون وبنيامين نتنياهو، وفشلهما في الحروب في لبنان جاء بإيهودا باراك تحت شعار الانسحاب خلال عام، وكانت عودة شارون مع اندلاع الانتفاضة الفلسطينية سقوطاً لخيار حصر الضرر بالخروج من لبنان، وفشل شارون في سحق الانتفاضة، ومنذ الانسحاب من غزة عام 2005 وفشل حرب تموز 2006 و«إسرائيل» في العناية الفائقة التي نقل إليها أرييل شارون، أعجز من أن تنتج قيادة سياسية تحمل مشروعاً واضحاً وآليات لتطبيقه، هنا تصير المشاغبات الأمنية ومحاولات التوتير متعددة الوظائف، فهي من جهة وعود كاذبة بالحرب، وصورة البطل يقدمها نتنياهو لنفسه انتخابياً، وهي تقديم أوراق اعتماد لدور وظيفي جديد لدى الأميركيين في ظل الأزمة السورية، وهي رسالة قلق من تطور العلاقات الروسية السورية عسكرياً، وتسليحياً وصلة المقاومة في لبنان بذلك، وهي برأي المعارضين لنتنياهو وعلى رأسهم أفيغدور ليبرمان، محاولة من نتنياهو لتفجير حرب تهرّباً من الفشل الانتخابي، وفرضاً لأمر واقع على المنطقة والعالم عنوانه، نحن في مأزق وسنورطكم معنا فأنقذونا.

- الضلع الثاني للمربع في صياغة المشهد وراء الغارات هو ما كان يجري بين أميركا وتركيا، من تداول بين صيغتي المنطقة الآمنة التي صارت سقف تطلع حكومة رجب أردوغان بدلاً من الإصرار على ربط مباشر للحرب على «داعش» بإسقاط النظام في سورية، ومضمونها كما يقول الأميركيون منطقة حظر جوي قد تؤدّي إلى تصادم مع شبكات الدفاع الجوي السورية والتورّط في مواجهة شاملة مع الجيش السوري وربما مع المقاومة في لبنان وربما مع ما هو أبعد من قوى إقليمية ودولية داعمة لسورية، والصيغة الأميركية البديلة لمنع التأزم في العلاقة مع تركيا كانت ما سمّاه الأميركيون بالشريط الآمن، والمقصود منطقة رقيقة جغرافياً محاذية للحدود التركية تنشر فيها وحدات من المعارضة المسلحة المدعومة من واشنطن وأنقرة ويفرض على سورية التغاضي عن وجودها، بقوة الخوف من الصدام، وقد جاءت بالونات اختبار هذه الصيغة بنتائج سلبية بعد الكلام السوري الروسي المشترك عن لا شرعية غارات التحالف في سورية وكلام الرئيس السوري بشار الأسد عن لا جدوى هذه الغارات، ما فهم أميركياً أنه رسالة بوقف التغاضي عن هذه الغارات الأميركية من جانب سورية إذا ما تمّ السير بالشريط الآمن، ليصير التفكير بتفادي التصادم مع سورية، ونقل فكرة الشريط الآمن من الشمال إلى الجنوب، وتعهيده لـ«إسرائيل» التي ترعى أصلاً «جبهة النصرة» وتقيم معها غرفة عمليات مشتركة، وقد برزت نتائج التنسيق على جبهة القنيطرة بغارات «إسرائيلية» مشابهة في شهر آذار الماضي، كما في الدعم المعلوماتي للكمائن في رأس بعلبك ضد الجيش اللبناني، وما يجري هو إعلان توسيع للعهدة «الإسرائيلية» لتشمل جنوب سورية وصولاً إلى أطراف العاصمة دمشق وتأمين بنية مسلحة تحظى بالحماية «الإسرائيلية»، فتتفرّغ أميركا للحرب على «داعش» وتتوظف «إسرائيل» بمهمة الاستنزاف في الحرب على سورية.

- البعد الثالث للمشهد هو ما يجري في الجبهات التي يبدو التدخل «الإسرائيلي» مرتبطاً بها عملياتياً كما تكشف طبيعة الاستهداف، حيث الديماس في أطراف دمشق هي خلفية جبهة القلمون، وأطراف مطار دمشق هي خلفية جبهة الغوطتين الشرقية والغربية، ومعلوم الوضع السيّئ للمسلحين في هاتين المنطقتين وحجم التقدم الذي يحققه الجيش السوري، والذي يبدو انه وصل وفقاً لأقنية الربط بين هذه الجماعات من جهة و«إسرائيل» وأميركا وتركيا من جهة أخرى لدرجة الخطر، خصوصاً مع المعلومات الواردة من جبهات حلب ودير الزور عن تقدم الجيش السوري، ونضج جبهة درعا لبدء تسجيل تقدم مشابه في الشيخ مسكين، وما يجري على جبهة جوبر ودوما، فالغارات تدخل لمنح المسلحين جرعة معنويات أنهم ليسوا وحدهم من جهة، ورسالة مفادها من جهة مقابلة، أنه ليس هناك ما يمنع من تحوّلها إلى مسلسل لتغطية نارية مباشرة لتعديم مواقعهم، أو لصدّ هجمات الجيش السوري، أو استهداف التجمعات والمرابض وغرف العمليات التي تتولى التحضير العسكري.

- البعد الرابع، هو ما يتصل بالوضع في لبنان والحرص «الإسرائيلي» على الدخول السريع على خطه من دون الوقوع في مخاطر اختبار إنذار المقاومة بعد عملية مزارع شبعا، لذلك يتمّ تدعيم جبهة القتال للمسلحين في عرسال والقلمون من خلال الغارات في سورية، ليؤدّي الغرض ويشكل التفافاً عسكرياً على التقاسم الذي أقامه حزب الله وسورية بين جبهات القتال، بتولي حزب الله مهمة الردع لـ«إسرائيل»، والقلمون متداخل في جغرافيا لبنانية سورية، والضغط من سورية ممكن لإراحة المجموعات المهدّدة بحصار الثلوج والتي لم يسعفها دب الرعب عبر الذبح المستمر للعسكريين المخطوفين في الحصول على امتيازات أمنية في البلدات اللبنانية المجاورة للحدود مثل عرسال، ولا أسعفتها العمليات التي قدمت لها «إسرائيل» المتابعة والمعلومات والاستطلاع، فصار الإسناد الناري لوقف التحضيرات التي بدا أنّ الجيش السوري يستكملها بعد نجاحه في مجموعة من العمليات النوعية بالتنسيق مع حزب الله ضدّ مواقع حساسة لمجموعات «النصرة» في جرود القلمون.

- الغارات «الإسرائيلية» بداية مرحلة جديدة، لكنها لا تعبّر عن تحوّل في موازين القوى، يغيّر من الاتجاه الراجح لمصلحة سورية والمقاومة، بل تستدعي عدم الوقوع في متاهات المزايدة حول الردّ المباشر، واليقين أنّ الردّ الفعّال والحقيقي هو بمواصلة الجيش السوري والمقاومة عمليات التطهير والحسم، في كلّ الجبهات من حلب إلى الغوطتين وصولاً إلى القلمون قبل أن تنجح «إسرائيل» مع «النصرة» بفتح جبهة قوصايا وصولاً إلى العرقوب.

(البناء)