Get Adobe Flash player

nasser

ناصر قنديل

- عندما يجري اختيار أشخاص لمهمة بحجم ما تمثله صفة مبعوث أممي لحل أزمة بتعقيد وتشابك وخطورة الأزمة السورية، فذلك يعني توافر مجموعة من الشروط في شخصه تتخطى حدود كونه اسماً معروفاً وجاذباً لوسائل الإعلام، على الأقل لجهة الذكاء والحنكة والثقافة السياسية والمعرفة بمنطقة الصراع وتعقيداتها، والقدرة على تحمّل مسؤولية بذل الجهود التي تسمح بإنهاء أزمة يرتّب سقوط الضحايا ونزف الدماء فيها ما يؤرق ضمير المبعوث ويقلقه، ويجعله حالة إنسانية متوترة لكل يوم يمر دون نجاح، وحالة ضميرية تتوجّع لكل ما يمكن معرفته من حقائق ووقائع، ولا يتم اعتمادها في صياغة الحل المنشود.

- عرفت سوريا قبل تعيين المبعوث الأممي الحالي ستيفان دي ميستورا شخصيتين يحمل سجل كل منهما، وقائع حافلة بالمسؤوليات والمهام وسيرة توحي بالخبرة والثقافة والمعرفة بأزمات المنطقة وتعقيداتها وقد سبق لكل منهما أن تعاطى مع محطات لافتة من تاريخها، وتفاعل مع شخصيات بارزة فيها، فكوفي عنان الذي قيل إنه كان متعاطفاً مع الفلسطينيين ومع اللبنانيين في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وبعده الأخضر الإبراهيمي الذي كان وسيطاً إيجابياً بين سوريا والسعودية وأميركا في صياغة اتفاق الطائف الخاص بلبنان، كما قدّم نفسه بعد مساعيه العراقية والأفغانية كوسيط نزيه بين الأطراف.

- في تجربة سوريا، التي جاء تعيين المبعوثين كوفي عنان والأخضر الإبراهيمي تباعاً بقرار أميركي معلوم، دفعت سوريا أثماناً باهظة لانحيازهما العملي لمشروع إسقاطها، وتوظيف صفتهما الوسيطة، لتقديم شهادات والإدلاء بمواقف أججت الصراع وأسالت الدماء، ومهدت للتدخلات الأجنبية بما فيها خطر الحروب والغزوات، وتغاضت عن تدفق الإرهابيين بعشرات الألوف، وساهمت بتسويقهم كردود أفعال على ما سمته مواقفهما بأداء الدولة السورية ومؤسساتها، التي صار اسمها في تصريحاتهم «النظام وجيشه ومسلحيه الموالين». فكوفي عنان هو الذي ضغط على الدولة السورية لسحب قواتها من المدن ويتحمل في رقبته مسؤولية سقوط حمص مرتين بين أيدي عصابات القتل والإرهاب، ما ترتب على ذلك من دماء حتى تحريرها على يد الجيش العربي السوري وحلفائه. والإبراهيمي الذي جاء يتلو على الرئيس السوري مراراً تهديدات أميركية وسعودية وتركية مبطنة أدت إلى طرده مراراً بطريقة مؤدبة عبر إبلاغه أن الموعد قد انتهى وأدت مراراً إلى امتناع الرئيس السوري عن استقباله. وهو الذي كان يسوق لضرورة تنحّي الرئيس السوري لضمان الحل السياسي ويوظف الضغط العسكري الذي يمارسه الإرهاب لهذا الغرض، ويستقوي بالتهديدات الأميركية والسعودية والتركية والاعتداءات الإسرائيلية لتسويق الدعوات للاستسلام وتسليم سوريا لقوى الإرهاب والعدوان.

- بعد خروجه من المهمة أعرب عنان عن ندمه لما أسماه الدور القذر الذي جرى توريطه في أدائه، وأنه يشعر بالمرارة لاكتشافه أنه استخدم لتغطية سيطرة الإرهاب على مناطق سورية عديدة، واليوم يخرج الإبراهيمي بتصريح يشبهه في الجوهر، لكن من دون ندم، فيقول إن التطورات في سوريا أثبتت أن روسيا تعرف ماذا يجري في سوريا وتوازناتها أكثر من كل الآخرين، وانه لو استمع العرب لنصائح موسكو لانتهت الأزمة من أربع سنوات.

- سنغفر لعنان، لأننا مستعدون لتصديق ما يريد أن يعبر عنه بالندم من نيات طيبة وقع بسببها في الخديعة، لكننا لن نغفر للإبراهيمي الذي لا يستطيع ادعاء الجهل ولا نقص المعلومات، وعليه كي نصدّقه أن يعترف بما تقاضاه من السعوديين لقاء هذا الدور القذر في الحرب على سوريا.

(البناء)