Get Adobe Flash player

nasser

ناصر قنديل

- ليست المرة الأولى وربما لن تكون الأخيرة التي يلجأ فيها بعض الأطراف السياسيين لطرح التخلص من نصاب الثلثين المنصوص عليه في الدستور اللبناني للجلسات المخصصة لانتخاب رئيس الجمهورية، وهو الأمر الذي قد يتناوب على طرحه الأطراف الذين يرون أن بمستطاعهم فرض مرشحهم بامتلاك أغلبية يشكلها النصف زائداً واحداً الذي يسمح بإعلان لمن يناله باعتباره فائزاً في انتخابات الرئاسة، شرط أن يكون الحضور من النواب قد طابق الثلثين أو زاد عنه.

- يؤكد الدستوريون الذين يتناولون مسألة النصاب أنها أحد شروط الديمقراطية التي تسمّى في فقه الدستور بمنع ديكتاتورية الأغلبية، ولذلك يكون نصاب مجلس الوزراء ثلثي أعضائه، بينما يمكن أخذ الكثير من قراراته بأغلبية الحضور، وهي في حالة حضور الثلثين ليست إلا ثلثاً زائداً واحداً من أعضاء الحكومة، بينما يلزم حصراً الحصول على تصويت الثلثين بالموافقة لتصدر القرارات الخاصة باعتماد مشاريع الموازنة وقانون الانتخابات وقوانين الأحوال الشخصية على سبيل المثال، وهذا يعكس بالتأكيد حساباً دقيقاً للمفاعيل التي ترد كنتائج لما نصت عليه مقدمة الدستور لجهة فقدان الشرعية لكل سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك، فتحسب العناوين والقضايا التي يجري إقرارها من قبل أي سلطة تشريعية أو تنفيذية بصفتها ذات صلة بالتعبير عن ميثاق العيش المشترك، وتربط بالتصويت بالثلثين، أو على الأقل بنصاب الثلثين.

- الفرق بين تصويت الثلثين ونصاب الثلثين، حسب رأي الدستوريين هو في منع الاستحالة، بغياب البديل، لأن مجرد اشتراط الفوز بالثلثين في الجلسة الانتخابية الأولى للرئيس يعني أن هذا هو الأصل، ولكن إذا تعذّر ذلك يصير الفوز بالنصف زائد واحداً وليس بأغلبية الحضور ممكناً. والفارق مهم هنا، لأن النصف زائداً واحداً هو ضمان تعبير عن ميثاق العيش المشترك بظل نصاب الثلثين، لكن لماذا الرضا بالنصاب بالثلثين هنا وعدم الرضا به في مجلس الوزراء في أمور يفترض أنه أقل ميثاقية من انتخاب رئيس للجمهورية، كما يقول المتمسكون باعتبار الانتخابات الرئاسية ونصاب الثلثين امتداد للميثاقية؟

- الفارق هنا، هو برأي الخبراء تعبير عن وجود بديل دستوري يمنع حدوث الاستعصاء، في حال عدم حصول الموازنة مثلاً أو قانون الانتخاب على أغلبية الثلثين في مجلس الوزراء مثل استقالة الحكومة وبدء استشارات نيابية لتشكيل حكومة جديدة، ما يعادل في الانتخابات الرئاسية هو القبول بنيل المرشح نصفاً زائداً واحداً من إجمالي عدد النواب في حال حضور ثلثي النواب كنصاب إلزامي وعدم وجود بديل لهذا البديل الإلزامي حتى يتمكن النواب من تحقيق توافق يضمن حضور الثلثين لوصول رئيس بأغلبية الثلثين أصلاً وإلا بالاكتفاء بحصول المرشح على النصف زائد واحداً وحتى يتحقق ذلك على النواب بذل مساعيهم بالتفرغ للرئاسة ليس عن طريق المزايدة على زملائهم الذين يشكلون أقلية تمارس حقها، بل واجبها بتعطيل النصاب حفاظاً على ما تعتبره تحقيقاً لمقتضيات ميثاق العيش المشترك، لا بل بالترويج لبدعة نصاب النصف زائد واحداً بل بالدخول في مفاوضات جادة بخلفية وطنية حريصة لاستكشاف فرص التوصل إلى تفاهم يضمن حضور الثلثين اللازم لضمان دستورية العملية الانتخابية ببعدها الميثاقي.

- في حال لم يتحقق التوافق ليس أمام النواب إلا التوافق، والمشترع لم يُقِم حساباً لمجلس ممدّد لنفسه وكيفية تصرفه في هذه الحال، بل لمجلس منتخَب ضمن ولايته القانونية، فيكون إما مجلساً قد جاء بنتيجة انتخابات لم يمض عليها أكثر من سنتين وفي هذه الحالة يكون صعباً عليه التعثر في تحقيق نصاب الثلثين، أو يكون قد قارب على نهاية ولايته وفي هذه الحالة يصير عليه المفاضلة بين رحيله دون انتخاب رئيس وقيام الحكومة التي ترث صلاحيات الرئيس بالإشراف على انتخابات نيابية تنتج برلماناً جديداً سينتج حكماً وفقاً لهذه القاعدة رئيساً في بداية ولايته، أو أن يسارع هو إلى انتخاب الرئيس ليضمن أعضاؤه فرصهم في الانتخابات النيابية ما يسهل توافقهم اللازم لتأمين النصاب الدستوري بحضور الثلثين.

- برأي هؤلاء الخبراء تشكل بدعة التمديد للمجلس النيابي الأب الشرعي لبدعة النصاب بالنصف زائد واحداً لانتخاب الرئيس، فلولا المجلس المدّد لنفسه لكان ضغط الاستحقاق الانتخابي للنواب كفيلاً بدفعهم للتوافق وضمان انتخاب الرئيس العتيد، ولذلك يرى الخبراء أن الثغرة الموجودة في الدستور التي لم تحسب حساب التمديد، والتي بسببها تجاهل المشترع اعتبار المجلس النيابي منحلاً حكماً ما لم ينتخب رئيساً جديداً مع شغور موقع الرئاسة، وحصر مهمة الحكومة بتصريف الأعمال خلال مهلة ثلاثة شهور لتأمين انتخاب مجلس نيابي جديد، صار من الضروري ملؤها بهذا النص، الذي قد لا يجري اللجوء إليه في حال وجوده، لأنه سيحقق ردع النواب عن لعبة التمديد من جهة وسيشكل الدافع للتوافق بينهم ضماناً لتحقيق نصاب الثلثين وانتخاب الرئيس العتيد.

- هذا التعديل الدستوري الضروري برأي الخبراء يشكل جواباً على سؤال: وماذا لو لم يتحقق النصاب ولم ينتخب الرئيس؟ والجواب هو يُنتخب مجلسٌ نيابيٌ جديدٌ.

(البناء)