nasser

ناصر قنديل

- منذ ثلاثة عقود ونيّف كان لبنان في «العصر الإسرائيلي»، بعدما تمكن أرئيل شارون من الوصول بدباباته إلى قصر بعبدا وفرض اتفاق السابع عشر من أيار، ويومها ولد الكائن الأسطوري الذي صار اسمه المقاومة وارتبطت بوجوده وتضحياته وشهدائه، بعناوين شتى، إنجازات لبنان، وفي السادس من شباط عام 1984 كانت الانتفاضة الشعبية التي توّجت بإلغاء اتفاق السابع عشر من أيار .

- يومها كان واضحاً أنّ الانتفاضة شكلت ثورة غير مكتملة، بسبب غياب الشريك المسيحي الوازن والفاعل فيها، فأجبرت على الوقوف وراء خطوط التماس الطائفية، وفرض عليها أن تكون ثمرتها السياسية بداية حكومة الشراكة التي ترأسها الراحل الكبير رشيد كرامي، ولاحقاً اتفاق الطائف كتثبيت لمعادلة السلم الأهلي، ولكن وفق صيغة تكرّس التقاسم الطائفي للسلطة ومؤسساتها.

- هدمت الثورة ما يجب هدمه وعجزت عن بناء ما كان يجب بناؤه، وجاء السادس من شباط عام 2006 ليؤسّس شراكة جديدة مع المقاومة التي تغيّر عنوانها، من تشكيلات وطنية جامعة بمنطلقات عقائدية وحزبية متعدّدة، وقف في موقع القيادة على رأسها الرئيس نبيه بري يومها، إلى المقاومة التي يمثل حزب الله القوة المحورية فيها، وعلى رأسه السيّد حسن نصرالله، الشراكة الجديدة هي ولادة التفاهم مع القوة المسيحية التي افتقدتها ثورة السادس من شباط كتعبير عن قوة الاستقلال والسيادة، القوة المسيحية التي خسرتها المقاومة والعروبة، بسبب ما رافق العلاقة بين لبنان وسورية، من خلط أوراق أدّى إلى الضياع بين تلازم المسارين وتلازم الفسادَيْن، ولما دقت ساعة مواجهة سورية لاستحقاقات الحروب الكبرى، بان أهل تلازم المسارين وبان أهل تلازم الفسادَيْن وبقوا كلّ في حلفه، سوريين ولبنانيين، لكنهم وقفوا في جبهتين متقابلتين.

- يحيي اللبنانيون المناسبتين كذكرى حزبية، فيحتفل بالسادس من شباط بنسختها الأولى قادة وكوادر ومنتسبو وجمهور حركة أمل، ويحتفل بالسادس من شباط بنسختها الثانية، قادة وكوادر ومنتسبو وجمهور حزب الله والتيار الوطني الحر، وتغيب القراءة الوطنية لكليهما حتى عند بعض المحتفلين، وهذا دليل أنّ ثمة نقصاً يجعل الثورة أيضاً لم تنته، وهو بالتحديد حسم هوية الدولة في لبنان وفي المنطقة، بالإجابة عن سؤال، هل لا يزال ممكناً بناء الدولة الوطنية وفق معايير التنظيم الطائفي، وإصلاحه، أم أنّ شرط قيام الدولة الوطنية بات علمانيتها؟

- تقول تجربة لبنان وسورية والعراق، إنه كما أدّى تطويق سورية بصيغتين طائفيتين إلى تهديد دولتها العلمانية، فإنّ انتصار النموذج العلماني مجدّداً في سورية سيرتب استحالة قيامة الصيغة الطائفية مجدّداً في لبنان والعراق.

(البناء)