nasser

ناصر قنديل

- كثير هو الحديث عن حلول مئوية سايكس بيكو من بوابة الحديث عن خارطة جديدة لكيانات المنطقة، مرّة بالتبشير بالتقسيم ومرة بالتبشير بالتقاسم، والبكاء على الأطلال الوطنية والقومية، وغالباً لوضع الدورين الروسي والإيراني في إطار الحديث عن مشاريع أجنبية تتصارع على بلاد العرب، فيصير الروسي والأميركي والإيراني سواء بسواء، إنما الذي يجري هو مواجهة مع مشروع وحيد موجود في المنطقة هو مشروع الهيمنة الأميركية، بنسخ متعدّدة «إسرائيلية» وتركية وسعودية، أو مختلطة، ومقابله خطوط دفاع إيرانية وروسية تدرك أنّ سقوط الشرق الأوسط في قبضة أيّ من هذه النسخ من المشروع الأميركي، تعني أنّ واشنطن صارت على أبواب موسكو وطهران.

- آخرون يريدون الاستذكار لسايكس بيكو ومئويتها من باب لطم وندب آخر يريد التحدّث عن ضياع المشروع العربي أو أيّ شكل من أشكال المشروع الوطني والقومي، للقول إنّ بلادنا صارت ساحة لحروب بين مشاريع الآخرين، كما صوّرت في يوم من الأيام المقاومة اللبنانية للاحتلال «الإسرائيلي» بتشكيلاتها المختلفة كمجرد استطالة لحروب الآخرين على أرض لبنان، بنسبتها مرة إلى مشروع سوري في وجه مشروع «إسرائيلي»، وبالتالي على لبنان أن ينأى بنفسه عنهما، ونسبتها مرة لمشروع إيراني في وجه مشروع «إسرائيلي» تارة ومشروع سعودي تارة أخرى، والدعوة إلى النأي في الأولى والتموضع مع السعودية من باب أخوة الدم العربي في الثانية، وهؤلاء أنفسهم طبعاً عندما تدخل قوات الاحتلال إلى بيروت وتكون راعياً لاستيلاد رئيس لبناني أو أكثر في كنفها لا يرون ما يمسّ السيادة، وينتهك مرتكزاتها، بل يُتقنون الهتاف للرئيس «السيادي»، وهم أنفسهم اليوم كانوا سيهللون لأيّ صيغة حكم لسورية يتمّ استيلادها في الكنف الأميركي وتحت الإبط التركي أو السعودي، وقدر من النكهة «الإسرائيلية»، لو نجح الأميركي بإسقاط سورية، وما كانوا ليتذكّروا السؤال عن المشروع القومي، بل سيرون كما أرادوا لنا أن نرى مع مرحلة تسليم المنطقة للإخوان المسلمين، في ظلّ رياح الغضب الشعبي التي سُمّيت بـ«الربيع العربي»، أنّ ما يجري ليس إلا تعبيراً بطريقة ثقافية جديدة عن صيغة جديدة للدولة الوطنية، أو كما كتب كبيرهم الذي علّمهم السحر، «المفكر العربي»، أنّ السعودية تعبّر عن ردّ الغريزة القومية العربية على غزوة إيرانية روسية من بوابة سورية.

- الذي يجري في المنطقة واضح لمن يريد أن يرى، الدولة الوطنية العربية التي ولدت نسختها الأولى في كنف سايكس بيكو، ترنّحت تحت ضربات العولمة، لكنها لم تسقط، لأنّ البديل الآتي أدنى منها مرتبة في السلم التاريخي، فصيغة الاستتباع التي يحملها المشروع العثماني الجديد، سقطت رغم غطاء المال والدين، وصيغة التوطين المحلي للوهابية لم تنتج سوى نماذج «النصرة» و«داعش»، فتمكن مشروع الدولة الوطنية بنموذجه الأقوى الذي تمثله سورية من موقعها في الصراع مع «إسرائيل» وموقعها في محور المقاومة، ومكانتها في مراتب متقدّمة بين الدول المستقلة، من استجماع مصادر للقوة مكّنته من تشكيل تحالفات وتنظيم هجوم معاكس، يشكل نواة صياغة مشروع وطني وقومي في آن واحد، بعدما صار أكيداً أن لا شيء سيعود إلى ما كان عليه.

- في مراسلات القنصل الفرنسي في بيروت جورج بيكو ومارك سايكس المفوض البريطاني لشؤون الشرق الأدنى في القاهرة والسفير الروسي في طهران سيرغي سازانوف منذ شهر آب في العام 2015، رسم لخرائط النفوذ بين الإمبراطوريات الثلاث في الشرق الأوسط، روسيا القيصرية التي شكلت ضامن التفاهمات آنذاك كانت حصتها السواحل التركية على البحر الأسود وهي التفاحة التي لم تقع في حضنها بفعل تزامن ثورة مصطفى كمال أتاتورك التي صارت شريكاً بديلاً للإمبراطورية العثمانية، مع ثورة البلاشفة في موسكو التي أطاحت حكم القياصرة، وبدلاً من جائزة روسيا التركية، نالت تركيا الجديدة تعويضاً يتخطى تثبيت سيطرتها على سواحل البحر الأسود بمنحها حصصاً من العراق وسورية، تمثلت بإقليم الإسكندرون السوري، ومحمية الموصل العراقية، وفقاً لاتفاقية سيفر ومن بعدها اتفاقية لوزان.

- يدخل سيرغي لافروف مئوية سايكس بيكو سازانوف، وإلى جانبه جون كيري من جهة ومحمد جواد ظريف من جهة أخرى، لكن كيري ليس وريث سايكس ولا بيكو، الوافدين لتقاسم التركة العثمانية، بل ضامن التفليسة الأميركية نفسها التي يشبه نفوذها المتداعي في الشرق الأوسط بعد عقد ونصف العقد من الحروب حال الإمبراطورية العثمانية غداة اتفاقية سايكس بيكو، ومن يحب الإسقاطات الشكلية ولعب الكلام سيفرح بالحديث عن ثلاثية كيري ظريف لافروف بديلاً لثلاثية سايكس بيكو سازانوف، بينما مصدر التشابه الوحيد هو في أنّ الحالتين قبل مئة عام واليوم تنطلقان من محاولة ملء فراغ استراتيجي ناتج عن فشل إمبراطوري في منطقة حساسة للأمن الإقليمي والدولي، والفشل كان عثمانياً من قبل وهو أميركي اليوم، ومن ضمنه نسخة عثمانية متجدّدة، وتحتلّ واشنطن مقعد الرجل المريض والوريث الشريك معاً، فهي شريك الصيغة الجديدة وصاحب حصري للصيغة القديمة التي فشلت وتتهاوى.

- وجدت أميركا نفسها في المأزق لأنّ المولود الوحيد الذي نجحت نسخ المشروع الأميركي باستيلاده كبديل للدولة الوطنية هو نموذج «داعش»، فصار ترميم الدولة الوطنية مطلباً دولياً، منعاً لتفشي المرض الذي يهدّد العالم، وصارت المعونة الروسية الإيرانية للدولتين الوطنيتين في العراق وسورية أبعد من مجرد الأمر المقبول أميركياً، إلى درجة التحوّل إلى المطلب الأميركي، ولو كانت النتيجة ولادة نمط من الصيغة الاتحادية السورية العراقية التي يتحدّث عنها الرئيس الروسي مراراً من بوابة التكامل بين الجيشين السوري والعراقي كضرورة للنصر على الإرهاب.

- سيرغي سازانوف كان شاهداً وشريكاً في التقسيم والتقاسم، وسيرغي لافروف يحضّر ليصحّح الخطأ التاريخي ويمنع الخطأ الجغرافي، فالدولة الوطنية المستقلة في عصر العولمة، جزء من بيئة دولية، تقوم على الاستتباع القسري، أو التعاون الطوعي الذي ينتجه قرار مستقلّ مع الأصدقاء، الذين بادلوا الوفاء بالوفاء، فتنسج روسيا مكانتها على القيم باعتباره مفهوماً عصرياً مديداً للمصالح والاستراتيجيات، بينما لا زالت واشنطن تعيش انتهازية العلاقات بمنطق القدم، وكلّ شيء قد تغيّر.

- في 16 أيار 1916 ولدت في بطرسبورج عاصمة روسيا القيصرية اتفاقية سايكس بيكو، برعاية وشراكة سيرغي سازانوف الذي صار وزير خارجية القيصر، ومع أيار 2016 ومرور مئة عام سيكتب التاريخ أنّ سيرغي لافروف وزير خارجية القيصر النبيل والاستراتيجي فلاديمير بوتين، رعى حماية مشروع الدولة الوطنية في سورية والعراق من مخاطر التقسيم والتقاسم، فأسقطت النيران الروسية أحلام السلطان العثماني الجديد بتقسيمهما أو تقاسمهما مع وهابية «داعش» و«النصرة» و«إسرائيل»، أو على الأقلّ الفوز بجائزة ترضية في حلب والموصل.

(البناء)