nasser

ناصر قنديل

- يحلو للكثيرين من الذين يشكلون جزءاً من ماكينة الإعلام المموّلة سعودياً أو المنتمية إلى المنظومة «الإسرائيلية» أو التركية، الذين كانوا يخوضون حرب حياة أو موت لكسر التفاهم النووي بين دول الغرب وإيران، أن يصوّروا التفاهم وصموده وبدء مفاعيله المتعلقة بموجبات الغرب نحو إيران، كمجرد اتفاق تقني يقع في مرتبة دون اتفاقية الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية والوفاء بشروطها، هذا علماً أنّ دولة عظمى بمكانة وحجم الصين لم تتح لها فرصة الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية، من دون إعادة فتح السفارة «الإسرائيلية» في بكين، بعد قطيعة استمرّت عقوداً.

- الملف النووي الإيراني معلوم أنه ملف حساس ومفتعل في آن واحد، فلو لم تكن إيران هي إيران التي نعرف سياساتها، خصوصاً ما يتصل منها بالموقف من «إسرائيل»، لتساهل الغرب مع ملفها النووي، وهو الذي يتعايش مع امتلاك دولة كباكستان لمنظومة صاروخية نووية، يريدها في مواجهة الهند ولا يرى فيها خطراً على السلم والأمن الدوليين كالذي يراه بامتلاك إيران للطاقة النووية السلمية، أما حساسية الملف النووي الإيراني فتأتي من كون إيران البلد الذي يصرّ على سلوك طريق الاستقلال عن الغرب، وبناء مشروعه الخاص بالتنمية، والذي يسجل تفوّقاً في ميادين العلم والتقنيات وتحقق في استقلالها الذاتي الاقتصادي تحت الحصار ما يسقط الآمال بإضعافها وإسقاطها كقوة صاعدة.

- خاض الغرب وعلى رأسه واشنطن حربه على الملف النووي الإيراني مراهناً على دور العقوبات من جهة في إفشاله، سواء بتجفيف فائض الموارد المالية اللازمة لاستكماله، أو بحرمان إيران من استيراد التقنيات التي تحتاجها للمضيّ قدماً في امتلاك التقنيات النووية، واعتبار النجاح في منظومة العقوبات لتأدية أغراضها، سيفتح الأبواب لإخضاع إيران واستضعافها بعد كسر هيبتها، وإذلالها سياسياً، وإفقارها مالياً، ذلك أنّ الدخول من باب الملف النووي يعني إصابته بذاته كملف تقني عصري ومتقدّم ومفتاحاً لسواه من أبواب التقدّم والاستقلال التكنولوجي، كما يعني إهداراً للموارد البشرية والمادية التي أنفقت للنجاح في هذا الملف دون بلوغه النتائج المرجوّة، وإحباطاً لمشاريع تقنية كثيرة، لكنه إصابة للإرادة السياسية الهادفة لتقديم نموذج استقلالي قابل للحياة، وتأكيد قدرته على توفير أسباب الصمود والحماية ولاحقاً النجاح.

- في قلب المسعى الغربي والأميركي بصورة خاصة لحصار إيران واستهداف ملفها النووي كانت قضايا الشرق الأوسط حاضرة بقوة، قبل الأزمة السورية، ومعها بصورة أقوى وأشدّ، فالغرب وعلى رأسه واشنطن كان لا يتسامح مع الذين لا يحملون تهديداً عقائدياً جدياً لـ«إسرائيل»، أو الذين يتبنّون سياسات تحرّرية تقدّم الدعم والإسناد لقوى معارضة شعبية ذات عمق ديمغرافي، في دول الخليج، ولا ينافسون تركيا على مكانة الدولة الصاعدة في العالم الإسلامي بنموذج جاذب، وقد عوملت مصر أنور السادات، عندما رغبت بعلاقة مميّزة مع واشنطن بجواب واحد، الطريق يمرّ بتل أبيب والرياض وأنقرة، وتطبيع العلاقات بهذا المثلث شرط لدخول الجنة الأميركية، وما عرفته إيران كان تكراراً إلى حدّ كبير لما لقيته تجربة جمال عبد الناصر التي عزفت على أوتار تشبه في حصيلتها النغمة الإيرانية في ملاقاتها للعداء لـ«إسرائيل» ومنافسة تركيا على النموذج القيادي للعالم الإسلامي، وحضانتها لقوى المعارضة في الخليج والجزيرة العربية.

- لم يغب عن مفاوضات الغرب حول الملف النووي الإيراني أجندته السياسية وما فيها من شروط، وكانت كلّ جولة تفاوض تنقطع عند هذه النقطة، تستأنف وقد حققت إيران المزيد من التقدّم التكنولوجي في منجزاتها النووية، حتى وصلت واشنطن إلى حافة الهاوية، فقد فشلت في ثني إيران عن برنامجها بداعي نضوب الموارد، أو بداعي فقدان الأدمغة لتطوير بدائل وطنية عن التقنيات التي حظرت العقوبات عن إيران فرصة استيرداها، وصعدت إيران درجة درجة سلّم التقدّم العلمي النووي حتى أكملت الدورة التقنية كاملة واعتلت السلّم حتى آخر درجاته، وصار باب الانتقال للإنتاج العسكري بيدها متى قرّرت، وصارت المواجهة بين خيارات محدودة، الذهاب إلى حرب تبيح إنتاج القنبلة، أو إقفال التفاوض وذهاب إيران إلى تخصيب مرتفع وتخزينه بلوغاً للكمية اللازمة لقنبلة وأكثر، أو الوصول إلى التفاهم، بينما فشلت الضغوط في فرض أيّ تنازل إيراني عن المواقف المبدئية التي تختصر مكانة إيران في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، خصوصاً تجاه الثلاثي «الإسرائيلي» السعودي التركي.

- تقاطعت ذروة الحرب التي خاضتها واشنطن على سورية ومعها كلّ حلفائها في العالم والمنطقة، مع ذروة الحرب التي خاضتها على جبهة الملف النووي الإيراني مفاوضات وعقوبات، والحربان تتغذيان من بعضيهما، وكلّ ربح على جبهة يقرّب ساعة النصر على الجبهة الأخرى، فسقوط سورية يضعضع مكانة إيران الجيواستراتيجية ويصيبها إصابة بالغة، تسهّل مواصلة مفاوضاتها من موقع القوة، وتجعل للعقوبات مغزى آخر. والتقدّم في الحرب على الملف النووي، يسهّل فرص سقوط سورية، لأنّ إيران والمقاومة حليفان أساسيان في صناعة صمود سورية، وكانت الحصيلة في الحربين صمود سورية وصمود إيران، وروسيا حاضرة في الحربين كشريك في صناعة الصمود وترجيح كفة الحلول السياسية، حتى كان توقيع التفاهم، ومهّد الطريق للتفاهم الروسي الأميركي حول سورية.

- بقي الإنكار السعودي «الإسرائيلي» التركي حتى ربع الساعة الأخير لرفع العقوبات، وتواصلت محاولات التخريب، والاستفزاز لتفجير المنطقة، تعطيلاً لمفاعيل التفاهم، وآخرها كان مثلث اغتيال الطيار الروسي على يد سلاح الجو التركي، واغتيال «إسرائيل» للشهيد سمير القنطار وتلاهما اغتيال السعودية للشيخ نمر النمر، والاغتيالات الثلاثة ذات وظيفة واحدة، لنقل المنطقة إلى مناخات التصعيد والتوتر والمواجهات التي تخرج عن السيطرة وتكون إيران والغرب وجهاً لوجه فيها، فيسقط وينهار كلّ ما تمّ بناؤه في التفاهم.

- اليوم تدخل إيران رسمياً مرحلة القطاف لصمودها ونجاحها ويحق لها الاحتفال بنصرها، والأهمّ تحتفل المنطقة بنهاية الحقبة «الإسرائيلية» السعودية العثمانية، كعناوين لمشروع الهيمنة الأميركية، فهي المرة الأولى التي تجد واشنطن نفسها مضطرة لتوقيع وتطبيق تفاهم بهذه الأهمية، مع دولة في الشرق الأوسط من وراء ظهر «إسرائيل» والسعودية وتركيا وخلافاً لمشيئتها جميعاً.

- إنه تحوّل أكبر مما يوحي ويتضمّن وأكبر مما تتضمّن التحليلات التي تتحدّث عنه، اليوم يولد شرق جديد، ومن يراقب المشهد السوري، وغداً المشهد اللبناني، وبينهما المشهدان اليمني والعراقي، سيكتشف ماهية هذا الشرق الجديد.

(البناء)