nasser

ناصر قنديل

في ظلّ الانقسام الدولي الذي كاد يشعل حرباً عالمية من بوابة المشاريع المتصادمة حول وفي سورية، وعندما يكون محور هذا التصادم مشروع المقاومة وأمن «إسرائيل»، من الطبيعي أن يكون لبنان في قلب المعركة وأن لا تكون ثمة أوهام لا حول النأي بالنفس بلبنان من جهة، ولا نأي الأطراف اللبنانية عن تحالفاتها من جهة أخرى، مهما كانت درجة استقلالها في قلب هذه التحالفات، لذلك لا يُلام الرئيس سعد الحريري وهو المتخندق منذ بداياته في حياة والده في الضفة التي تقف فيها المملكة العربية السعودية، أن يكون جزءاً من خندقها، ولا يحق التوقع أو التفكير أو المطالبة مهما بلغت مشروعية الأسباب وطنياً أن يفك هذه الصلة وينفصل عنها إلا من باب السجال أو الطوباوية.

بعد المدى الذي بلغه الاصطفاف الدولي والإقليمي، وفشل الحرب على سورية، وظهور عنوان الحرب على الإرهاب، وسقوط نظرية «إبعد عن الشرّ وغنيلو» ومجيء قوات التحالف الدولي من وراء البحار للقتال في بلادنا، وكلام الملك عبدالله بن عبد العزيز عن أنّ التباطؤ في قتال «داعش» سيجعل أوروبا تواجه الخطر بعد شهر وأميركا تواجهه بعد شهرين، وبعد الاعتراف الأميركي بغياب أيّ خطة لإطاحة الرئيس بشار الأسد، والتسليم عبر مبادرة المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا بدور الأسد، وبعد التفاهمات التي تجري على قدم وساق بين الغرب وإيران، والتقدم الروسي الإيراني نحو تركيا، وبعد كلام الرئيس الأميركي عن حوار سعودي ـ إيراني، يصير كلّ شيء مختلفاً، ويصير الأمر قاب قوسين أو أدنى من صدور أمر ملكي سعودي بالتفاهم على الرئيس اللبناني الجديد، وربما القيام بتسميته بالتعاون والتفاهم مع إيران، في هذه اللحظة يصبح مشروعاً التفكير ببعض الملاحظات ضمن مفهوم التحالف الحريري السعودي.

لا أحد يتوهّم أنّ مستوى من العلاقة بين الحريري والسعودية يجعلها تشبه علاقة خصومه بحلفائهم الدوليين والإقليمين، فلا العلاقة بروسيا حاضرة مع حزب الله والرئيس نبيه بري والعماد ميشال عون بمثل حضور العلاقة الحريرية بفرنسا وأميركا، ولا تجوز المقارنة بين علاقة الحريري بالسعودية بعلاقة حزب الله بالقيادتين الإيرانية والسورية، أو علاقة الرئيس بري بهما، فكيف بالأحرى العماد عون، فقد وصلت استقلالية حزب الله أنه في قلب التحضير للحرب الأميركية على العراق التي كانت إيران تراها ورطة أميركية محبّبة تخلّصها من خصم عنيد، إلى حدّ دعوة السيد حسن نصرالله إلى طائف عراقي يصالح الرئيس السابق صدام حسين ومعارضيه، مما أثار غضب حلفاء إيران العراقيين وكثيراً من قادتها، ولم يقم السيد ولا الحزب لهذا الموقف حساباً يعطل الدعوة، بل شكل حافزاً ليشرحها ويسوّقها ويدافع عنها أمام حلفائه، وهذا قبل حرب تموز 2006 وقبل الحرب على سورية وتعملق مكانة الحزب لدى حلفائه إلى درجة تعلو على الشراكة، وتجعله على الأقلّ في الشأن اللبناني مقرّراً لا متلقياً للقرار، وحدث أنّ الرئيس نبيه بري قاتل التمديد للرئيس إلياس الهراوي، خلافاً للمشيئة السورية، ربما كما قاتل الرئيس رفيق الحريري التمديد للرئيس إميل لحود وأكثر، وسارا في النهاية بالطريقة ذاتها لحسابات ليس للتبعية فيها مكان بقدر حسّ المسؤولية لمعاني كسر الإرادة السورية في لبنان، ويوم المساعي للمصالحة مع بكركي بعد بيان المطارنة الشهير العام 2000، حدث أن صدر بيان عن مصدر سوري جعل المبادرة رأياً شخصياً، وبغضّ النظر عن المعطيات والظروف أكدت اللحظة يومها حجم الاستقلالية، أما اليوم فيكفي كلام خصوم الرئيس بري وفي مقدمهم الحريري نفسه وحلفاؤه عن الرهانات المتكرّرة على كسب الرئيس بري إلى صفهم للدلالة على تسليمهم بدرجة الاستقلالية، وما هو صحيح في حالة حزب الله وبري صحيح أكثر في حالة العماد عون لألف سبب وسبب، ومن الظلم للحريري مطالبته بأن يملك هذه الدرجة من الاستقلالية، فلا هو يملك شخصية الرئيس بري والسيد نصرالله، ولا تجذرهما في مسؤوليات الشأن العام، ولا هو بنى مكانته في السياسة بتاريخ شخصي نضالي أو سياسي أو فكري.

المطروح للنقاش، هو أنه بعد الذي يجري وسيجري، واقتراب التسويات، هو أن يدرك الحريري حقيقتين، الأولى أنّ مكانته صارت الأهمّ عند السعودية بين حلفائها وأوراقها في المنطقة، مع متغيّرات اليمن والعراق وسورية وافتقادها لأيّ نفوذ يمكنها من التفاوض الجدي في مستقبل أيّ من هذه البلدان، وهذا بقدر ما يمنح الحريري فرص القوة في ممارسة الأهمية، يمكن أن يجعله أكثر تقييداً، وفقاً لما يقرّر ويرسم الدور لنفسه، هل يريد المزيد من الحضور السياسي، أم يريد المزيد من الرضا السعودي، أما الحقيقة الثانية، فهي أنّ التسوية عندما ستطاول لبنان، ستكون على ضفة سورية وإيران ما يريده الحلفاء، وليس ما تراه قيادة كلّ من سورية وإيران، فللحريري الاختيار بين أن تفاوض السعودية وتسمع من إيران ما تسمعه إيران من حلفائها في لبنان، أو أن يسمع هو بنفسه، ويقرّر بدعم سعودي وإحاطة السعودية بمسار التفاوض.

الفارق بين خيارات الحريري، هو في مجالين، الأول الوقت الذي ينزف فيه لبنان، وكلفته عليه عالية، فبمستطاعه التحرك في ظلّ الضوء الأصفر أو الانتظار أشهراً إلى حين إضاءة الضوء الأخضر، والمجال الثاني هو مضمون التسوية، والحقيقة أنها إنْ تمّت إقليمية ستكون حصة الحريري فيها ضئيلة لأن ليس للسعودية ما تقايض به سوى نفوذها في لبنان، وما تريده من إيران كثير وفي بلدان كثيرة، أولها السعودية نفسها، والأهمّ أنّ ما يمكن أن يُمنح من ميزات للحريري في تسوية داخلية أكبر بكثير مما سيوضع بيد إيران لمقايضة السعودية به، لأنّ حسابات الداخل تعني كثيراً لشركاء التسوية إذا تجرأ الحريري وأقدم تحت الضوء الأصفر.

نقطة البداية أن يدرك الحريري أنّ الرئيس القادم يسلّم الغرب ومن بعده السعودية انه بقياس ما يضمن اطمئنان حزب الله إلى ظهره اللبناني في قلب دوره المتوقع في الحرب على الإرهاب، فبدلاً من أن يفرض أميركياً وسعودياً ويتبلغه الحريري، سيكون الثمن مجزياً لو جاء الحريري إلى السيد نصرالله بمباركة الرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط بصورة مبكرة وفاوض على صيغة سياسية مستقبلية تتضمّن سلة الرئاسة والحكومة والبرلمان من القانون إلى التحالفات.

عسى أن يقرأ وينتبه، والأيام ليست بعيدة ليعلم أنها الحقيقة.

(البناء)