nasser

 

- قبل انقضاء الأسبوع الثاني على اغتياله كانت المقاومة تضرب ضربتها في مزارع شبعا تحت اسم «مجموعة الشهيد القائد سمير القنطار» وقيمة العملية، قبل البحث في حجم خسائر العدو الذي يريده الكثيرون معياراً، في كونها تمّت بزمن قياسي للتحضير والتجهيز والتنفيذ، في المنطقة التقليدية لأيّ استنفار «إسرائيلي» بعد كلّ توقع ردّ من المقاومة، وفي أشدّ نقاط هذه المنطقة تحشداً بالقوات ونقاط المراقبة، وتعزيزاً بأجهزة التحقق والتتبع والتنصّت، ويشكل اختيارها بذاته هدفاً لزرع عبوة ثقيلة، بما تعنيه من تسلل وتقرّب مجموعة من مقاتلي المقاومة إلى هذه النقطة، نوعاً من إعلان تحدّي الذات من جانب المقاومة، لنيل هدف يصل حدّ المستحيل في ظروف عادية فكيف في ظرف الاستنفار الأعلى، والنقطة لمن يطّلع على تفاصيل إحداثياتها الجغرافية هي المفصل الذي يصل الأراضي اللبنانية بالأراضي الفلسطينية والسورية المحتلة، وتفجير عبوة ناسفة بدورية «إسرائيلية» فيها، رسالة قدرة على مثيلات لها، يوم تقرّر المقاومة مواصلة التقدّم بمقاتليها من الثغرة التي تفتحها العبوة في دفاعات جيش الاحتلال وتجهيزاته.

- بالتأكيد يعرف خبراء العمل المقاوم والعمل العسكري والأمني عموماً، أنّ إطلاق زخّات من عشرات الصواريخ من جانب المقاومة على تلال مزارع شبعا وتحصينات الاحتلال فيها، تدمّر التحصينات وتُحرق وتُشعل النيران كان عملاً لا يحتاج هذا الانتظار، ويخطف الأضواء أكثر، ويحجز حيّزاً أكبر من نشرات الأخبار، لكنه عند الإسرائيلي علامة على ترهّل المقاومة، وضعف عزيمة المقاومين، وتراجع قدراتهم على الاختراق والتوغل وكسر شبكات أمانه، وتخطي خطوط الدفاع والحماية والترقب والتتبع، وصولاً إلى النقطة الأشدّ حساسية في الحدود السورية واللبنانية مع فلسطين المحتلة، وصولاً إلى البوابة النهائية ما قبل دخول الجليل.

- يعرف الخبراء أيضاً، أنّ الردّ الإسرائيلي لا يرتبط بحجم الخسائر بل بتحليل الرسالة التي يحملها العمل المقاوم، فالرسالة التي يحملها عمل خارجي من جانب المقاومة ضدّ هدف إسرائيلي ديبلوماسي أو سياحي، تعني قبولاً من المقاومة بمنح أعدائها فرصة اعتبار عملها إرهاباً، ومنح إسرائيل نقطة كسب سياسي ومعنوي وإعلامي عليها، فتكتفي المقاومة على لسان قائدها بالإعلان أنّ من حقها أن تحدّد المكان والزمان والكيفية، ولكنها لا تستعمل من خياراتها إلا الأصعب والأعقد عليها، والأقوى في مضمون رسالته لعدوّها، والردّ الإسرائيلي ليس بقياس حجم الخسائر ولا بقياس مكان العملية، فعندما تريد إسرائيل استثماراً سياسياً لعملية تصيب هدفاً ديبلوماسياً لا تقوم بالردّ لمنح الفرصة اللازمة للتوظيف، لأنه يكون عندها أهمّ وأكثر جدوى من ردّ يجعلها في موقع المتساوي مع من أصابها، وعندما كانت لها مصلحة شنّت حرب العام 1982 على لبنان بذريعة عملية زعمت أنها استهدفت سفيرها في بريطانيا، وتبيّن أنه على قيد الحياة.

- الرسالة الأمنية العسكرية التي حملتها عملية الردّ تقول، إنها دفعة من حساب لم يُقفَل، وإنّ الذين قاموا بزرع العبوات الناسفة في هذه الظروف المحكمة الإغلاق، قادرون على زرع العشرات مثلها، وزرع صواريخ موجهة من تلك النقطة نحو الداخل المحتلّ، وقادرون على مواكبة ما بعد تفجيرها باقتحام المواقع الملاصقة لها، وربطاً بالعمليات السابقة في الحيّز الجغرافي نفسه، من العملية المزدوجة على طرفي المزارع والجولان قبل عامين وعملية مزارع شبعا الأخيرة، تتكامل عمليات المقاومة التي يفهم الإسرائيلي معناها، الجليل في قبضة المقاومة ساعة تقرّر ، فهل يجرؤ الإسرائيلي على ردّ يكون الردّ على الردّ فيه من هذا العيار؟

- قرّر الإسرائيلي الاكتفاء بقصف موضعي على التلال المجاورة لمنطقة العملية، في رسالة تقول إنه يرتضي الصفعة ولا يريد المضيّ في اختبار معادلة الردع التي صاغتها المقاومة وتقوم بإثبات أهليتها لها، كلما كان ذلك قيد الامتحان.

- المعادلة الجديدة، هذه دفعة من حساب لم ولن يُقفَل، والجليل في قبضة المقاومة متى شاءت.

(البناء)