Get Adobe Flash player

 nasser

ناصر قنديل

صديق روسي قديم ذو صلة بقيادات الصف الأول في موسكو بحكم المناصب التي احتلها خلال العقود الماضية، قال لي أمس إنّ النظرة الروسية لسورية تتخطى بكثير ما قد يراه الكثير من أصدقاء سورية وخصومها، وعلق على مقالتي السابقة حول فهم بعض العرب للاهتمام الروسي بسورية، بقوله، ربما لم يكن لدى روسيا جواب كاف حول نظرتها لسورية في بداية الأزمة، وهي نظرة تطورت بصورة دينامية مع تطور الأحداث، فالفيتو الروسي الأول في مجلس الأمن لم يأت بالسهولة التي يمكن أن يصدر فيها قرار يطبق رؤية استراتيجية لدولة عظمى، لكن ما بعده كان أسهل فأسهل بعدما تيقن صناع الديبلوماسية من صوابية ما يفعلون بمعيار المصالح وليس المبادئ فقط.

يقول الصديق، إنّ الطلبات السورية لا تزال دون المكانة التي تحتلها سورية في الحسابات الروسية بكثير، ولو أنّ المسؤولين الروس يجادلون ويفاوضون ببرودة وقساوة مستمدتين من طقس بلادهم في كلّ صغيرة وكبيرة، لكن اللهجة التفاوضية ستكون هي نفسها لو طلبت سورية الكثير كما هي في حال طلب القليل، والمعيار في موسكو في النهاية هو القرار وليس تعب المفاوضات، فروسيا لا تجد لها شريكاً استراتيجياً في العالم بأهمية ومكانة ودرجة القرب التي عليها سورية، هذه حقيقة بات يتحدث فيها كلّ المعنيين الروس بالشؤون الاستراتيجية والعسكرية والأمنية والاقتصادية، إنهم يتحدثون بإعجاب عن الرئيس السوري بشار الأسد ويتغزلون بمهابته وأناقته وقوة شخصيته وشجاعته، ويتبادلون الطرائف عن مقارنات بينه وبين الرئيس الأوكراني المعزول الصديق السابق لروسيا. ينقلون الروايات عن بطولات الجيش السوري الذي لا يُقهر، والذي يشكل حليفاً يمكن الاعتماد عليه في بلد مسلم حيث يتشارك المسلمون مع المسيحيين نظاماً لا دينياً، وفيه كنيسة أرثوذكسية متجذرة قاومت التتريك العثماني كما قاومت الحملات الصليبية الغربية، ودعمت دولة العروبة في حروبها الوطنية، وهذا غير موجود في بلد ثانٍ في العالم، وسورية دولة اكتشفت القيصر كاترينا الثانية قبل قرنين أهميتها يوم قالت أمن موسكو في دمشق، وفي القياس الجغرافي فوق أهمية موقع سورية وتوسّطها دول المنطقة المهمة، هي على مرمي حجر من موسكو، فهي نافذتها الوحيدة في المتوسط. إنّ الروسي لمجرّد عبور البوسفور يشعر أنه وصل إلى موسكو ثانية إذا أطلّ الساحل السوري. ويقول الصديق الخبير في الشؤون الأمنية، إنّ استثماراً طويل المدى لتحديث وتجهيز وتدريب وتسليح الجيش السوري الذي أظهر مقدرات قتالية استثنائية، يعني امتلاك شريك يعادل في الشرق الأوسط حلف الأطلسي مجتمعاً.

قال الصديق الروسي المتقاعد إنّ مكانة سورية اليوم تشبه مكانة تشيكوسلوفاكيا في الزمن السوفياتي، وهي مكانة كانت تتقدم كثيراً على ألمانيا الشرقية، وكان للتشيك لدى الروس مكانة الابن المدلل، وربما تكون إيران تشبه وضع ألمانيا الشرقية. لكن سورية الواعدة بثروات نفط وغاز على المتوسط والتي تملك اقتصاداً حيوياً متنوّعاً ومتعدّداً وبيئة ثقافية ومناخية جذابة وعدداً من المتكلمين باللغة الروسية من خريجي الجامعات والمعاهد السوفياتية، وكنيسة ناشطة وتاريخاً عميقاً في الذاكرة المسيحية هي وجهة سياحية مرغوبة لدى أثرياء موسكو وطبقاتها المتوسطة، الذين يتخذ كثير منهم قبرص مقراً ثانياً لأعمالهم، والشركات الروسية المهتمة بإعادة إعمار سورية بعد الحرب، مثلها شركات مهتمة بالتنقيب عن النفط والغاز ومثلها شركات مهتمة بالاستثمارات الطويلة الأمد في بلد ثبت قدرة نظامه السياسي على الصمود أمام حرب عالمية، فما الذي يمكن أن يهزه بعد كي يخشى المستثمر على أمواله؟

يقول الصديق الروسي إنه سمع من مسؤول روسي كبير أنّ سورية تعادل استثماراً بمئة مليار يورو. ولم يعرف ما إذا كان القصد هو قيمة سورية ككنز لا يجب التفريط به، أم القصد هو ما تستحقه سورية من استثمارات، أم ما هو مقرّر منها.

(البناء)