nasser

ناصر قنديل

- يميل البعض في الثامن من آذار إلى تبنّي إحدى دعوتين، واحدة تقوم على اعتبار أنّ الاحترام والتقدير المتساوي للزعيمين المسيحيّين العماد ميشال عون والنائب سليمان فرنجية، يستدعي الاعتراف لفرنجية بأنه مَنَح فرصة أكثر من كافية لتمكين ترشيح العماد عون من نيل التأييد اللازم للوصول للرئاسة، ولم يتصرّف فرنجية خلال سنة وشهرين كأنه مرشح مؤهّل لملء الكرسي الرئاسي، بل تصرّف كواحد من أركان الحملة الانتخابية لتسويق مرشح الفريق الذي ينتمي إليه، وهكذا تصرّف على المستوى المسيحي رغم كونه أحد الزعماء الأربعة المعترَف بمكانتهم المتقدّمة والمرجعية. وقد فعل فرنجية هذا رغم عدم التطابق مع العماد عون في الكثير من الأمور، سواء لجهة الأداء الحكومي أو المجلسي أو التصعيد في رفع العنوان المسيحي، أو لجهة العلاقة المتوترة التي تجمع تياره بالرئيس الحالي للتيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل. ووفاء فرنجية هذا وإخلاصه لا يقابلان بإنكار حقيقتين، الأولى أنّ الاستعصاء الرئاسي الذي يعترض وصول العماد عون ليس ناجماً عن ضعف الجهد وقلة الثبات في الفريق المساند لترشيح العماد عون، وفرنجية في قلب هذا الفريق، والثانية أنّ فرنجية يمثل بالنسبة للثوابت الوطنية والمسيحية التي يمثلها العماد عون ركناً مؤتمناً عريقاً وصاحب زعامة تجعل وصوله للرئاسة بالمعنى المبدئي تحقيقاً لأهداف ترشيح العماد عون ذاتها، دون إنكار الحقوق الحزبية المقابلة للعماد عون وتياره في هذه الحالة والتي يجب التفاهم حولها عندما يصير خيار فرنجية الرئاسي على الطاولة، هذا علماً أنّ من حق فرنجية القول منذ البداية وفقاً لاعتبار الزعماء الأربعة مرشحين أن يتصرّف داخل فريق الحلفاء وخارجه وفق معادلة أنّ لدى هذا الفريق مرشحين متساويين وبفرص متساوية ومن يحوز منهما الفرص الأفضل يُعتبر نصراً لفريقه، ويقدّم الضمانات والالتزامات للآخر، ويصل أصحاب هذا الرأي إلى اتهام كلّ من يقدّم ترشيح فرنجية وعون اليوم بالتساوي ولا يختار كأنه يسهم في تخوين فرنجية.

- الدعوة الثانية التي تبدأ باتهام كلّ من يساوي ترشيح العماد عون بالنائب فرنجية، ويدعو لدراسة الترشيح الوارد كصيغة تسوية، بصفته خيانة للعماد عون، وتقوم الدعوة على معادلة أخرى معاكسة، قوامها أنّ المسألة ليست مسألة الخط السياسي والثوابت وحدهما، كي تختصر بهذه الطريقة، فالمسألة أولاً هي بكون الزعيم الأوسع تمثيلاً للشيعة ومثله في السنة يحتلان المراكز الرئاسية الخاصة بطوائفهما، ومن غير الجائز أن يسمح الحليف بتقديم اسمه بديلاً لمنع الزعيم المسيحي الأوسع تمثيلاً من احتلال المركز الرئاسي العائد للمسيحيين إلا بالتشاور معه وقبوله المسبق، لا بل إلا بشرط قيام هذا الزعيم المسيحي الأوسع تمثيلاً بطرحه مرشحاً كامتداد للمبدأ ذاته الذي يمكن للرئيس الحريري أن يسمّي الرئيس فؤاد السنيورة أو الرئيس تمام سلام، وإلا يكون القبول بترشيح حليف مسيحي رغم كونه مستحقاً لأهليّة الترشيح قد منح زعيم طائفة أخرى حقاً ليس له ولا لها، باختيار الزعيم الذي يمثل المسيحيين في الرئاسة العائدة إليهم، بدلاً منهم وبالنيابة عنهم، وهذا إمعان في التهميش ولو كان المرشح هنا هو حليف ومستحقّ. وثانياً، إنّ الجمهور الذي تمكّن العماد عون من نقله إلى خياراته الإقليمية وثوابته وهي ثوابت وخيارات فرنجية أصلاً، لا يزال طريّ العود في هذه الخيارات ويقيم اعتباراً عالياً لمراقبة مدى صدقية تحالفات عون الجديدة مع ما يمثل وما يستحقّ، وفقاً للتضحيات التي تحمّلها لقاء هذه الخيارات وهذه الثوابت، ولذلك من غير الجائز خلق شعور بالإحباط في هذا الجمهور، خصوصاً عندما يحدث ذلك بصورة تبدو أنها رصاصات صديقة، يستخدمها الخصوم لإيصال رسالة لهذا الجمهور لإفهامه أنّ العماد عون أخطأ في خياراته وها هو يدفع الثمن. ويذهب أصحاب هذا الرأي إلى حدّ القول إنّ الشرخ قد وقع وهو يتّسع ما لم يتمّ تداركه، وأنّ المزاج المسيحي في التيار الوطني الحر والقوات اللبنانية والكتائب يتقارب على قاعدة شعور بالإمعان في التهميش والعبث في الصف المسيحي والحقوق المسيحية، والارتداد عن الخيارات الكبرى التي أخذه العماد عون إليها، ولولا موقف حزب الله الذي ينتظره هذا الجمهور بفارغ الصبر ويأمل ويثق بثباته لكانت الأمور أسوأ بكثير.

- ببساطة شديدة، أصحاب الرأيين يريدون وضعنا بين خيارَي أن نُتهم بخيانة العماد عون أو أن نُتهم بتخوين فرنجية، وهما اتهامان عصبيان انفعاليان لمريدين متحمّسين في الفريقين. فما يسمح به العماد عون وفرنجية لنفسيهما، يحق لنا أن نطلب مثله، فلا العماد عون قال كلاماً سلبياً عن ترشيح فرنجية مكتفياً بالانتظار إلى حين طرح الأمر رسمياً، وفرنجية لا يزال يؤكد في كلّ مناسبة أنّ مرشحه لا يزال العماد عون وآخر كلامه «لا تقلقوا، كما كنا معاً، نحن والعماد عون، سنكون معاً هذه المرة»، فلماذا على الآخرين أن يختاروا ويحسموا، ويوجّهوا لأحد الزعيمين الدعوة لسحب اسمه من التداول كمرشح رئاسي؟

- الواقعية السياسية تقتضي القول إنّ لدى فريق الثامن من آذار مرشحيْن رئاسيّيْن، لكنها تقتضي القول أيضاً إنّ وصول أيّ منهما للرئاسة هو نصر لهذا الفريق، إنْ أحسن التصرف، وقد تتحوّل وبالاً عليه إنْ فشل في إدارة شؤونه بروية وأناة ومسؤولية، فالسياسة ليست فن إدارة التحالفات التكتيكية بين حلفاء استراتيجيين، ولا فن إدارة الخصومات التكتيكية بين خصوم استراتيجيين. السياسة هي فن إدارة خلافات تكتيكية بين حلفاء استراتيجيين، وفن إدارة تفاهمات تكتيكية بين خصوم استراتيجيين، وهذا يعني بالنسبة للعماد عون مهارة إدارة هذا الخلاف التكتيكي مع الحليف الاستراتيجي فرنجية، وبالنسبة لفرنجية الأمرَين، أيّ إدارة الخلاف التكتيكي مع الحليف الاستراتيجي عون، وإدارة التفاهم التكتيكي مع الخصم الاستراتيجي الحريري، وأيّ إضاعة للبوصلة هنا بالنسبة لكليهما تعني دماراً شاملاً على الفريق الذي يمثله الزعيمان في الاستحقاق الرئاسي، ونقله من فرصة نصر كبير إلى هزيمة مدوّية.

              

- بإمكان الزعيمين وبمعونة صديق مشترك وحليف موثوق لكليهما، هو حزب الله وأمينه العام السيد حسن نصرالله، صياغة ما هو أبعد من الرئاسة، طالما المتفق عليه بين أركان طاولة الحوار كان عنوانه التفاهم على سلة متكاملة يبدأ تنفيذ بنودها بانتخاب الرئيس المتفق عليه، وفي قلب السلة بالتأكيد قانون الانتخابات النيابية، الذي يبقى هو نفسه أياً كان شخص الرئيس المتفق عليه، وهذا يستدعي تحديد بنود لسلة يُضاف إليها قانون الانتخابات، في حال السير بالعماد عون للرئاسة، وسلة أخرى يضاف إليها قانون الانتخابات في حال السير بالنائب فرنجية رئيساً، وإنجاز التفاهم على السلّتين بين قادة الثامن من آذار، وتقديم السلتين لفريق الرابع عشر من آذار ليختار.

- قد يقول البعض إنّ الخيار سيكون فرنجية مع السلة المرادفة حكماً، من قبل الرئيس سعد الحريري والنائب وليد جنبلاط، وفي هذا الاستنتاج تسرّع كبير، فإذا كان أمر قانون الانتخابات الذي يجب أن يتفق عليه عبر اللجنة النيابية محسوماً كبند في السلة الشاملة، ومحسوم أنه من دون إنهاء الاتفاق لا يتمّ انتخاب الرئيس، كبند مشترك في السلتين، فإنّ السلة المرافقة لانتخاب فرنجية يجب أن تتضمّن مطالب العماد عون التي تعوّض لفريقه وجوده في الرئاسة، بحجم ما يمثل نيابياً وشعبياً، وكان ممكناً التغاضي عنها لو صار رئيساً، والعكس في السلة المرادفة لرئاسة عون بالنسبة لضمانات فرنجية وزعامته، فهل يمكن لأحد الجزم مثلاً أنه ماذا سيختار، إذا خُيّر الرئيس الحريري بين سلة فيها فرنجية رئيساً وتتضمّن تعديل قانون الدفاع بما يتيح استدعاء ضابط متقاعد من الاحتياط وتعيينه قائداً للجيش، لتأمين تعيين العميد شامل روكز في هذا المنصب، ومعها وزارة المالية ووزارتا الطاقة والاتصالات، في حكومة ثلاثينية ينال فيها عون عشرة وزراء، ويكتفي فرنجية بحقيبة واحدة لتياره في هذه الحالة، وفي المقابل سلة تضمن رئاسة عون ومعها ضمانات لفرنجية وتنازلات عن هذه الشروط من قبل عون، فينال التيار البرتقالي خمسة حقائب ليس بينها حقيبة سيادية مارونية لأنها ستؤول لفرنجية وهي الداخلية ومعها وزراتان منهما التربية أو الاتصالات، وتتوزّع حقائب التيار الوطني الحر على حقائب خدماتية منها وزارة الأشغال ووزارة الصحة مثلاً، ولا يرد تعيين روكز لقيادة الجيش في هذه السلة.

- هذه ليست محاولة للهروب من الخيارات، بل هي محاولة للقول لا تجعلوا، بسبب سوء الإدارة، النصر يتحوّل إلى هزيمة عنوانها أحد خيارين مرّين، تحمّل مسؤولية إفشال تسوية مشرّفة تخرج البلاد من الفراغ الرئاسي، أو السير بتسوية بتراء ترضي خصماً وتخسر حليفاً.

(البناء)