nasser

ناصر قنديل

- لا يمكن قبول وصف الرئيس الأميركي باراك أوباما لما قامت به تركيا مع إسقاطها طائرة روسية بالدفاع عن مجالها الجوي، حتى لو ثبت أنّ الطائرة انتهكت المجال الجوي التركي، وهو أمر تكذّبه كلّ الوقائع، فالقرار بإطلاق النار لا يحدّده الحادث ولا معطياته، بل الإطار السياسي الذي يرسم معادلة العلاقة بين فريقين لأحدهما طائرة يشتبه في انتهاكها الأجواء وأخرى تقرّر إطلاق النار، وهذا ما كان ليحدث لو كانت طائرة «إسرائيلية» في سياق الجولات الروتينية فوق الأجواء التركية عبر مياه البحر المتوسط وصولاً إلى قواعدها الاحتياطية في كازاخستان. القضية هي بقرار إطلاق النار لإيصال رسالة يتحدّد حجمها ومداها واتجاهها في السياسة، وما جرى يقول إنّ تركيا قرّرت استفزاز روسيا واستدراجها إلى مكان ما عبر قرار إطلاق النار، وأنّ تركيا جاهزة للملاقاة إلى هذا المكان، وهو أحد موقعين، طاولة تفاوض تطرح فيها تركيا شروطها على الحرب التي يخوضها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في سورية أو المواجهة.

- تركيا حسبت بالضرورة احتمال اختيار الرئيس الروسي للمواجهة ويفترض أنها مستعدّة، والمنطق يقول إنها تستبعد هذه الفرضية وتريد جذبه إلى طاولة تفاوض، أو فهم الخطوط الحمراء التركية والتزامها، وبالرغم من أرجحية استبعاد تركيا لفرضية ذهاب روسيا إلى المواجهة فلا يمكن تخيّل اتخاذ قرار إطلاق النار من دون وضع هذه الفرضية والتحسّب لها، وهذا فوق طاقة تركيا منفردة، لذلك يكون المرء ساذجاً إذا تخيّل القرار التركي بمعزل عن تغطية أميركية بدأت مع الشراكة في الهجوم على مواقع لـ«داعش» شمال سورية بغارات تركية أميركية وتسليمها إلى جماعات مسلحة تحتضنها تركيا بِاسم المعارضة السورية وتوّجت بكلام أوباما عن حق تركيا بالدفاع عن مجالها الجوي.

- واشنطن وراء الاستفزاز التركي، والهدف رسم معادلات تتصل بعضها بالمصالح التركية في الحرب السورية كالحصول على حزام أمني للتركمان وتحييد الأكراد عن حدودها، واستخدام ذلك في المسار السياسي لسورية لاحقاً، لكن وراء ذلك حسابات أميركية تنفذها تركيا ومدخلها إخضاع عملية تصنيف الفصائل الإرهابية للحسابات التي تراها واشنطن ضامنة لدخول جماعتها إلى العملية السياسية السورية وتحييدهم من النيران الروسية، وفيها فرض وفد تابع لواشنطن بِاسم المعارضة في الحوار السياسي المرتقب في جنيف الثالث، وفيها فرض ضوابط على الحركة العسكرية الروسية ترسمها خطوط حمراء تضعها واشنطن.

- روسيا أمام الامتحان لمكانتها كدولة عظمى، وقد قرّرت الردّ، والردّ ليس بشنّ حرب على تركيا، بل بضرب المواقع التي تدخّل الأتراك لحمايتها ومنع ضربها، واستدراج تركيا إلى تكرار الاشتباك وعندها تكون الجاهزية للمواجهة التي تحسم وتلقّن الدرس… الأيام المقبلة حُبلى.

(البناء)