nasser

ناصر قنديل

- تبدو فرنسا الجريحة بعد المذبحة ومواصلة سكين الإرهاب في ترويعها بالمطاردات المضنية والإخبارات الكاذبة، بحاجة إلى تثبيت مكانتها كدولة عظمى لإنجاز لا يمكن تحقيقه في غير ميدان الحرب على الإرهاب، ويبدو الإنجاز الداخلي ومعياره التخلص النهائي من التشكيلات والخلايا الإرهابية عملاً متعباً وطويل المدى ومشكوك في نتائجه، ما لم يتمّ النجاح بقوة في ضرب قواعد الارتكاز الخلفية التي يستند إليها العاملون في التنظيمات الإرهابية نحو أوروبا، وقد صار مركزهم في ساحل المتوسط، وخصوصاً في سورية، لا بل إنّ المسؤولين الأمنيين الفرنسيين لا يخفون أنهم يعتقدون بالحاجة إلى عمل سياسي واجتماعي وثقافي معقّد وطويل الأمد، بعد الفوز بالحرب في سورية والعراق عسكرياً، لضمان عدم تحوّل البنى المنظمة لخلايا التطرف المتجذرة بين صفوف المهاجرين من أصول عربية وإسلامية، لنواة مواجهات أهلية مسلّحة تصيب وحدة فرنسا الوطنية وأمنها الوطني بجروح يصعب الشفاء منها.

- طالما ساحة الإنجاز المطلوب والممكن والمفيد هي في ميادين الحرب، وساحة الوقاية والمتابعة هي في فرنسا، يصير التحدّي الذي يواجه الحكومة الفرنسية هو كيف لا تكون مجرّد لاعب ثانوي في هذه الحرب، وماذا تستطيع لتكون أحد صناع النصر فتمنح مواطنيها فوق أمنهم الشعور بعظمة بلدهم وبالثأر من الذين استهدفوا أمنهم وأسالوا دماءهم؟

- يقول المتابعون في موسكو إنّ الرئيس الفرنسي أبلغ الرئيس الروسي رغبته في تموضع يتيح الفعالية في الحرب في سورية، لكن دون ذلك تعقيدات تحتاج وقتاً طويلاً، لجهة التأسيس للتعاون مع الدولة السورية من بوابة لا يمكن تخطيها، وهي بوابة الحلّ السياسي في سورية، وأنّ الحلف الروسي الأميركي كلما صار حلفاً حقيقياً يمنح فرنسا فرصاً أفضل لدور أكبر وأشدّ فعالية، وأنّ هذا يساعد في تحسين الأداء السعودي والتركي تجاه متطلبات الحرب، لكن الواضح أنّ هذا المسار يستدعي قبولاً فرنسياً بدور متواضع لسنة وربما أكثر، لن يصير بعدها لشراكتها في ظلّ مناخ دولي وإقليمي عام أيّ نكهة خاصة تتصل بالجرح الفرنسي الدامي، ولا بالبحث الفرنسي عن دور مميّز وممتاز.

- يقدّم لبنان الفرصة لفرنسا، ففي لبنان حرب على الإرهاب تتصل بالحرب في سورية، فتحدّي الإرهاب مستمرّ وقد ضرب مؤخراً ونزفت ضاحية بيروت الجنوبية تحت ضرباته، ويومياً تستنفر الأجهزة الأمنية اللبنانية كما الأجهزة الأمنية الفرنسة للمطاردة والملاحقة والتتبع، ومعلوم أنه من دون قرار سياسي كبير يستثمر على مقدّرات الجيش اللبناني المجمّدة عن دور هجومي لاستئصال بؤرة الإرهاب على الحدود الشرقية، دون جيوش المنطقة الأخرى، لن يرتاح لبنان، ومعلوم أنّ الفيتو السياسي والإقليمي حال دون تعاون لبناني سوري يمنح هذه المهمة فرصة التحقق.

- في لبنان تتواجد القوة الأقرب إلى الدولة السورية وإيران والشريك في الحرب على الإرهاب التي يمثلها حزب الله، والذي يسعى منذ زمن لقرار حكومي يترجم بشراكة الجيش اللبناني لإنهاء البؤرة التي تمثلها حالة جرود عرسال وحجم التغلغل داخل البلدة اللبنانية نفسها، ومع حزب الله الحليف الأقرب الذي يمثله التيار الوطني الحرّ بقيادة العماد ميشال عون الذي يخاصم فرنسا وتخاصمه بسبب الموقف من الاستحقاق الرئاسي اللبناني الذي تسعى فرنسا إلى دور فيه، ولكن بما يُرضي السعودية ويُغضب عون، والتيار بيده وزارة الخارجية اللبنانية التي سيهمّها ويريحها موقف فرنسي يلتقي بالموقف الروسي على التعاون في الحرب على الإرهاب في لبنان، بما يضع على عاتق فرنسا حلحلة عقد حلفائها اللبنانيين، بقوة قولها للسعودية: كما وقفنا معكم في اليمن ننتظر وقوفكم معنا في لبنان.

- عبر قيادة الحرب على الإرهاب في لبنان تضرب فرنسا مجموعة عصافير بحجر واحد، فتتقرّب من سورية وإيران دون أن تخسر علاقتها بالسعودية، بل لتستثمر هذه العلاقة لتحقيق إجماع لبناني على هذه الحرب التي تريح لبنان، وتمنح فرنسا لاحقاً فرصة التقدّم من موقع هذا الإجماع بهدوء نحو إجماع آخر يقارب التسويات الداخلية بصفتها شريكاً مقبولاً من الحلفين الدوليين الإقليميين المتقابلين في المنطقة، عبر علاقات مميّزة بروسيا وأميركا من جهة وإيران والسعودية من جهة أخرى.

- بينما تبدو واشنطن رغم مشاركتها بالحرب في سورية، طرفاً ثانوياً فيها، بسبب امتلاك روسيا المبادرة، لأنها وحدها تجد حليفاً يقود الحرب البرية، تعوّض واشنطن مكانتها عبر دورها في العراق الذي يشكل جبهة حربها الأساسية، حيث تملك حليفاً يقود الحرب البرية هو الجيش العراقي والبشمركة، في المقابل تجد موسكو التي تملك شراكة مع العراق عبر غرفة العمليات الرباعية أنّ دورها في العراق ثانوي، بسبب امتلاك واشنطن المبادرة بعلاقتها المميّزة بالقوى التي تخوض الحرب البرية هناك، لكن روسيا تعوّض ذلك بلعب دور القيادة للحرب في سورية بسبب ميزة القوة البرية ذاتها، بعلاقتها بالجيش السوري، أما فرنسا فتجد أنّ مشاركتها الثانوية في سورية والعراق، ستبقى ثانوية، وستبقى القيادة في سورية لروسيا وفي العراق لأميركا، وأنّ عليها إيجاد جبهة موازية تملك فيها علاقة مميّزة بحليف برّي يقود الحرب فيها، كي تحفظ لنفسها موقع الدولة العظمى، وليس أمامها سوى فرصة لبنان، لتتقدّم بعلاقاتها المميّزة من موقع حلفائها المحليين والإقليميين والدوليين، بملاقاة الضفة الأخرى بالخيار الذي يلتقون عليه، فهي حليف لقوى الرابع عشر من آذار وستحقق لقوى الثامن من آذار شعارهم، وميزتها هذه لا تنطبق على سواها. فروسيا المتبنّية شعار الحرب، لا تقدّم الاطمئنان لفريق الرابع عشر من آذار الذي يرى نجاحها رصيداً لحلفائها، وأميركا لا تثير إلا الريبة لدى فريق الثامن من آذار، بينما فرنسا فقد صمّم الدور على مقاسها، ولها ما لها من تاريخ علاقة بالجيش اللبناني، ربما تكون الحرب فرصة لتسييل الهبة السعودية الضائعة في باريس سلاحاً لهذا الجيش بقوة منطق الحرب.

- بمثل هذا القرار التاريخي، سيكون لزيارة أيّ رئيس فرنسي بعد إنهاء وجود «داعش» و»النصرة» في السلسلة الشرقية للتهنئة بالنصر معنى، وسيجد مَن يستقبله، ومَن يتقبّل دوراً له في الاستحقاق الرئاسي، وربما يكون قد صار له رصيد في دمشق وطهران عبر بوابة موسكو ودوره الفعّال في الحرب، ما يتيح له التقدّم بمبادرات لتطبيع العلاقات وقيادة التسويات.

(البناء)