Get Adobe Flash player

 nasser

- تختلف هذه الزيارة التي يقوم بها رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى واشنطن ولقائه بالرئيس الأميركي باراك أوباما عن سابقاتها ، فهي ليست مناسبة لتنسيق جهود حرب يحلم كلاهما بشنّها، ولا هي مناسبة للاحتجاج «الإسرائيلي» أو للضغط الأميركي، فقد خاض الرجلان في ثماني سنوات كلّ أوهامهما ورهاناتهما، السياسية والعسكرية، ووصلا للتسليم بأنهما يخسران، وأنّ السبب لا يمكن لأحدهما أن يلقيَه على الآخر، بل لأنهما يواجهان تراجعاً استراتيجياً في مصادر القوة من جهة، وأمامهما خصوم يستشعرون مقدرتهم على صناعة الانتصارات ويعرفون كيف يخوضون حروبهم من جهة مقابلة، ولأنّ قراءة مسار الأوضاع في الشرق الأوسط منذ العام 2000 عندما نجح حزب الله بإجبار الجيش «الإسرائيلي» على الخروج ذليلاً من لبنان، ستوصل إلى أن الخط البياني لعناصر القوة الأميركية الإسرائيلية بانحدار رغم الومضات التي حملتها لفترات وجيزة الأيام الأولى للحرب الأميركية على العراق العام 2003 والأيام الأولى للحرب الإسرائيلية على حزب الله العام 2006، لتأتي التطورات لاحقاً وتذهب بالإنجازات وتحلّ مكانها الخيبات. وفي المناسبتين لا يمكن إلقاء اللوم على إيران وسورية بما يتخطى حدود الدعم التقليدي لإرباك خطط الحرب، الدعم الذي يمكن توقعه في حروب كهذه تستهدفهما حكماً. وبالتأكيد لا يمكن إلقاء اللوم على روسيا التي كانت تتفرّج في الحربين وتتفادى ما يوتر علاقاتها بأميركا وإسرائيل، بل يمكن القول إن تضاؤل مصادر القوة اللازمة لصناعة الانتصارات في الضفة الأميركية الإسرائيلية هو ما شجع الروس على التقدم إلى الأمام والتطلع للعب دور أكبر على ساحة الشرق الأوسط التي كان الأميركيون والإسرائيليون يحتكرون صناعة الأحداث ورسم الخرائط فيها لزمن طويل.

- شيخوخة أميركا وإسرائيل أكبر من أن تُختصر بالحديث عن أسباب سواها بفشل الحكومتين بخوض حروب ناجحة، فالحرب على سورية لم تفشل بسبب نقص الموارد المالية ولا التسليحية ولا البشرية قياساً بقدرات الدولة السورية وحلفائها، ولا لنقص الحشد السياسي لتغطية الحرب، بل لأن أميركا وإسرائيل وقفتا عاجزتين عن تحمل فاتورة الدم التي تستدعيها الحرب التي يمكن أن تغيّر وجهة الأحداث في سورية، وهي حرب لا يمكن أن تكون حاسمة بأقل من احتلال سورية على الطريقة العراقية ومواجهة مصير أشد قسوة من الذي واجهه الأميركيون في العراق، وبكلفة تعادل ضمان نجاح الاحتلال وإدامته أضعافاً مضاعفة للكلفة التي تكبّدها الأميركيون في العراق.

- تجربة تركيا مع الأكراد وتجربة السعودية في اليمن تقولان شيئاً شبيهاً بتجربة أميركا في العراق وتجربة إسرائيل في جنوب لبنان، ما يعني أن الحلف العريض الذي تشكَّل للحرب على سورية عاجز عن مواصلة الحرب، وأن استخدام تنظيم القاعدة بمنوّعاته وصل إلى النهايات، مع تفاقم التطرف الإسلامي في أوروبا وتدفق اللاجئين من جهة، والتغيير الذي فرض إيقاعه المتسارع هو بدء الهجوم المعاكس لسورية وحلفائها منذ التموضع الروسي النوعي في الحرب السورية، وبالتالي لا بديل من السير في طريق السياسة ومقايضة التغطية التي تملك أميركا توفيرها للحرب التي تخوضها روسيا وسورية وحلفائهما، ومن بعدها التغطية لشرعية الدولة السورية المقبلة من نهاية الحرب، وتمويلها وفتح الأسواق لها وإعادة سفاراتها ورفع العقوبات عنها، بأثمان تتصل بالمصالح التي عجزت الحرب عن تحقيقها.

- يذهب نتنياهو إلى واشنطن لأسباب تقليدية تتصل بالتسلح والتنسيق ومناقشة أوضاع راهنة مثل الانتفاضة الفلسطينية، لكنه يذهب بالأصل لشيء واحد جديد، ليقول إن واشنطن باعت إيران التفاهم النووي الذي تريد من دون صفقة سياسية شاملة من ضمنها تفاهم يطال أمن إسرائيل، وإن إسرائيل بالغت برد فعلها ضد التفاوض والتفاهم وتتحمّل مسؤولية إرباك أميركا ولا تريد أن تعاود الكرة، وإن التفاوض الحالي مع الروس والإيرانيين بعد التفاهم النووي والمتصل بسورية يمكن أن يشكل فرصة أفضل للوصول إلى مقايضات واقعية، مقايضات لا تتوقع إسرائيل أن تتضمن اعترافاً إيرانياً بوجودها، ولا ذهاباً لمصالحتها، ولا وقفاً لدعمها حزب الله، ولا تتطلّع إسرائيل أن تكون المقايضة مع سورية لقاء شرعية نظامها الجديد وتجديد رئاسة الرئيس السوري باعتراف دولي، بانقلاب في السياسات السورية، بل تظنّ تل أبيب أن الواقعية تسمح ببلورة عرض يتصل بتسوية تتعلق بالجولان وجنوب لبنان، تنسحب بموجبها إسرائيل من الأراضي التي تحتلها ضمن ترتيب تكون الأمم المتحدة مع قوات روسية أميركية ضامنة له، يقابله التزام بعدم الذهاب لحروب مقبلة، وتحديد لمستوى الدعم الذي يحصل عليه حزب الله من سورية وإيران، وعبر سورية تحديداً، وطالما لا تملك إسرائيل فرصة التمهيد للتفاوض بتصعيد عسكري تخشى أن يخرج عن السيطرة، فقد يكون التلويح بضمّ الجولان وإعلانه جزءاً من «السيادة الإسرائيلية» مدخلاً لفتح الباب لهذا التفاوض.

- إسرائيل قلقة مما بعد النصر على الإرهاب في سورية، وما بعد الحلّ السياسي الذي سيكرّس هويتها الإقليمية نفسها، وتريد استباقاً يجعلها جزءاً من الخريطة الجديدة، لأنها ترى الحرب المقبلة حرب وجودها وتريد تلافيها بأيّ ثمن. ومثلما ستفعل إسرائيل بربط النزاع معها بالحل في سورية لحل أزمتها، ربما تتوقع أن يربط الآخرون حلولهم معها بالحل الفلسطيني، وقد تكون اللحظة الروسية المناسبة لهندسة السلام الشامل في الشرق الأوسط، كما يظن بعض الخبراء الأميركيون من اطلاعهم على مباحثات نتنياهو في موسكو ومِن ثم في واشنطن.

(البناء)