Get Adobe Flash player

 

    nasser                 

ناصر قنديل

مع تبلور المشهد الجديد لمرحلة ما بعد التمديد بدت في المشهد صورة تستعيد المشهد الداخلي لبداية عهد الرئيس إميل لحود، حيث الرئيس رفيق الحريري والنائب وليد جنبلاط خارج الحكم، والحكومة تمثل الغالبية الشيعية مع تغطية الثلث تقريباً من باقي سائر الطوائف المسيحية والسنية والدرزية، مع فارق أنّ المناخ السياسي أول العهد عام 1998 كان يمنح قوة اندفاع استثنائية للرهان على شخص الرئيس الجديد، بالآمال المرسومة من تجربته كقائد للجيش، يمثل مشروع الدولة في وجه الميليشيات، والوطن في وجه وبدلاً من الطوائف، والعنفوان بدلاً من التخاذل، والمؤسسات بدلاً من المحسوبيات، والنزاهة في وجه الفساد، بينما الولاية الممدّدة لم تكن تملك ما يكفي من القوة، خصوصاً في ظلّ الاستنزاف الذي مثلته سنوات الحكم ومعركة التمديد بذاتها، والملفات المفتوحة للخيارات الإقليمية بعد إنجاز التحرير وطرح الكنيسة لقضية الوجود السوري في لبنان، فصار انتقال الحريري وجنبلاط هذه المرة إلى خارج الحكومة مختلفاً عن المرة السابقة، على رغم تشابه الزمن السياسي للمرتين لجهة التزامن مع التحضير للانتخابات النيابية والدور الحاسم الذي ستحتله الانتخابات في التعبير عن التوازن الداخلي والإقليمي والدولي.

المشهد الدولي والإقليمي أيضاً كان مختلفاً، فقد كانت الانتخابات عام 2000 محكومة بإنجاز التحرير ومكانته في الوجدان العام للبنانيين، على اختلاف طوائفهم وولاءاتهم السياسية، وما منحه من قوة لمصلحة المقاومة والرئيس الذي أخلص لها وصدق معها وكان نصيراً في الملمات، فيما الخارج لا يملك حولاً ولا طول طالما الاحتلال قائم وباق والمقاومة لا بديل لها لا بيد أميركا ولا فرنسا، لاسترداد لبنان أرضه المحتلة، فيصير الداخل والخارج مضطرين لمسايرة ما يمثله الرئيس المقاوم، وفي المقابل مضطرين لتحية الاحترام لصحة الخيار بعد التحرير، مقابل مزاج داخلي جديد هذه المرة متأثر سلباً بالتمديد تحت وطأة القلق الناجم عما ستكون الكلفة الخارجية للمواجهة مع خيار العهد المقاوم الحليف لسورية، في زمن بدا أنّ اشتباك الخيارات بلغ مرحلة ستحمل المفاجآت، وبدا بصورة معينة أنّ القرار 1559 هو الردّ على رفض الرئيس لحود الإقرار باعتبار القرار 425 منفذاً في محادثته الشهيرة مع وزيرة الخارجية الأميركية عشية التحرير مادلين أولبرايت، وكان منطقياً في ظلّ هذه المخاوف من المخبّأ للبنان أن يكون سؤال شرائح لبنانية كثيرة ألم يكن أفضل لسورية والمقاومة تفادي عنوان اشتباك كالتمديد ينتج هذا الحجم من العداوات، والسير بانتخابات رئاسية تأتي بحليف كسليمان فرنجية أو جان عبيد أو سواهما، ولو كان الخيار مواجهة حتمية، من دون أن يكون لدى الرأي العام أجوبة كافية من جهة أو تفهّماً كافياً لخيار وجده الرئيس السوري بشار الأسد ضرورياً لخوض حرب كسر العظم من جهة أخرى، خصوصاً أنّ أغلب الحلفاء الذين ساندوا الخيار، لم يفعلوا ذلك وهم يشرحون للناس أسباباً وخياراً يحبّذونه، بل بالعكس يقدمون مواقفهم كمسايرة لسورية، وعدم مكاسرة لإرادتها بصورة صار فيها موقف الحريري أكثر نزاهة منهم، فقد قال لا للتمديد وشرح أسبابه وفي نهاية المطاف سار بالقرار السوري، وقال إنه لا يريد مكاسرة سورية، ولذلك سيسير، يبقى أنّ التبدّل الدولي والإقليمي كان يزيد من قسوة الوضع على الحكومة الجديدة فوق عوامل الضعف الأخرى، فصار وجود الحريري وجنبلاط خارجها عاملي إضعاف دسمين ووازنين بدا فعلهما من اليوم الأول، فلم تكن دارة قريطم كحالها يوم تشكلت حكومة الرئيس سليم الحص تفتقد زوارها وناسها، بل كانت كأنها عشية ولادة حكومة برئاسة الحريري نفسه.

في موازاة هذه العوامل التي تشجع الرئيس الحريري على قيادة معركته الانتخابية كانت تعقيدات تعطلها وتضعف اندفاعته وتخفف قدرته على الانطلاق، فلا وجود هذه المرة لعبد الحليم خدام وغازي كنعان ليطمئن الحريري وجنبلاط إلى قدرتهما على نيل الأمان من قانون انتخاب تقاربه سورية وفقاً لمعادلة اتفاق الحلفاء السياسيين، من جهة الرئيس لحود ووزير الداخلية سليمان فرنجية ومن جهة مقابلة الرئيس نبيه بري وحزب الله وبين الجميع، دور لمدير عام الأمن العام اللواء جميل السيد في تحضير التصورات وإجراء المشاورات، وهذا الفارق السوري ليس بسيطاً لأنّ مفاعيله لا تقف عند حدود القانون بل تتخطاه لكلّ تفاصيل العملية الانتخابية من التسهيلات والتحالفات واللوائح وكلّ التفاصيل التي يعرف الحريري أنّ الوجود في مركز القرار سواء من الموقع الحكومي المباشر أو عبر الإطلالة بواسطة شرفة سورية فاعلة، يمثلان جزءاً هاماً من صناعة النتائج، خصوصاً أنّ الساحة الداخلية ليست بالسهولة التي تبدو فيها من بعيد، فالمساحتان الانتخابيتان للطائفتين السنية والدرزية لا تكفيان من جهة لضمان ما يتعدّى ثلث البرلمان إذا جرت تجزئة العاصمة والشمال، والساحة المسيحية من جهة أخرى ليست مجرّد خزان لمن يبدو متمايزاً أو مختلفاً مع سورية كما تعامل معها جنبلاط والحريري عام 2000، فالنهوض الذي مثلته «قرنة شهوان» وفي قلبها تنظيم «القوات اللبنانية» لمناخ منظم مستقلّ من جهة ومعه دور الكنيسة، وقبالته نهوض منظم للتيار الوطني الحر وإعلان رئيسه عزمه على العودة بعدما عاد رئيس الكتائب الرئيس الجميّل واستعاد حزبه ولو بصورة غير مباشرة، في جهة مقابلة، والمشكلة أنّ الذهاب إلى تحالف سياسي مع هذه المكونات يترجم انتخابياً سيعني من جهة رهاناً على تجميع غالبية انتخابية معارضة للعهد، لكنها في المقابل غالبية لا يملك الرئيس الحريري تفويضاً مفتوحاً بتحريكها على هواه كغالبية عام 2000، وهي غالبية هشة وغير مضمون تحقيقها إذا تمّت عملية تقسيم بيروت والشمال إلى دوائر انتخابية تضعف قدرة التجيير المتبادل بين الكتل المناوئة للعهد الممدّد وهو ما كان يشتغل عليه بعناية اللواء السيد، وفوق كلّ هذه العناصر كانت المشكلة التي يواجهها الجميع هي أنّ السير بقانون يجمع المتناقضات يحتاج إلى تغطية يشترك فيها الخصوم لتسويقه، بينما السير في الاشتباك السياسي يستدعي التقدم بقانون يعتمد قياساً واحداً وقاعدة واحدة في كلّ المناطق والدوائر، وكان قانون الأقضية قد بدأ يحوز مقبولية من حلفاء الحريري الجدد في الساحة المسيحية إضافة إلى رضا حليفه التقليدي وليد جنبلاط عن هذا القانون، بمنطق الحسابات أو المصالح لا المبادئ.

حسبها الحريري جيداً، قضية القانون الانتخابي في بيروت هي بيضة القبان في توليد البرلمان الجديد وإنتاج الغالبية النيابية المقبلة، بل هي قضيته حتى لو لم تكن قضية من يتشارك معهم اللعبة الانتخابية، طالما الكلّ يحسبها من موقعه ومصالحه، ولا مجال لأوهام الحديث عن اجتياح المقاعد النيابية لأيّ من الفرقاء الثلاثة، المعارضة المسيحية ومعارضة الحريري وجنبلاط والموالاة، فالمعارضة المسيحية في قانون الأقضية لن تحوز أكثر من عشرة مقاعد، وأقضية الشمال المسيحية كأقضية البقاع والجنوب المسيحية ستكون من حصة حلفاء وقوى العهد الجديد الممدّد، واللجوء إلى قانون على أساس المحافظات سيضمن للحريري بيروت والشمال مقابل الجنوب والبقاع لتحالف حركة أمل وحزب الله ويبقى جبل لبنان موضع فيتو جنبلاطي في حال مجاهرة الحريري بالمطالبة باعتماد الدوائر على أساس المحافظة والنظام الأكثري، لأنّ المسألة عند جنبلاط وجودية الصوت الدرزي وفاعليته الانتخابية وسط غالبية مسيحية ستتكفل بتذويبه وإضعاف تأثيره مع الزمن، والنتيجة غامضة لجبل لبنان على أساس المحافظة ونظام أكثري، وفي المقابل اعتماد النسبية مقلق في المناطق ذات الغالبيات السنية والدرزية لأنه بوجود خصوم الحريري في الحكم قد يتيح لهم نيل ما يزيد على ثلث المقاعد، والقانون النموذجي للحريري كان قانون عام 1996 الذي فاتحني به في جلستنا التاريخية في الخامس من شباط 2005، والذي يميّز المحافظات اللبنانية، فيعتمد القضاء دائرة في جبل لبنان والمحافظات الأربع الأخرى دوائر انتخابية وفقاً للنظام الأكثري، لكن اعتماده مستحيل بلا توافق شامل بينه وبين جنبلاط من جهة والقوى المشاركة في الحكومة من جهة أخرى، وما لذلك من ضرورات سياسية وتداعيات استراتيجية ليس سهلاً توفيرها في ظلّ موقع الحريري من حلفاء دوليين وإقليميين ينتظرون الانتخابات وينظرون إليها كفرصة عليه استثمارها لتعويض خيانته لهم وسيره بخيار التمديد، لأنّ المنتظر منه ليس فوزه بعدد مريح له من المقاعد النيابية لترؤس حكومة جديدة، لم تكن ممكنة عام 2000 ولن تكون ممكنة مجدداً كما كان يراها بالعين المجرّدة من دون تفاهم مع الرئيس لحود وسورية، كانوا يريدون رؤية برلمان مناوئ لسورية وينتظرونه من الحريري، كما حاول مروان حمادة أن يقول إنه كان هدف الرئيس الحريري متناسياً أنّ الكلام لصديقه جيفري فيلتمان وليس للحريري.

قانون يساوي بين المحافظات والدوائر، كان يتقدم وعنوانه الأقضية ومن ضمنه تقسيم بيروت إلى ثلاثة دوائر، ويبدو المناخ المسيحي مرتاحاً لذلك، وصار إسقاطه قضية الرئيس الحريري كأولوية، وبعدها التفكير بالذي يلي فبدأت الحملة تحت عنوان لا تقسّموا بيروت فهي العاصمة.

غداً بيروت انتخابياً

(البناء)