nasser

ناصر قنديل

- تطرح الحملة التي تتعرّض لها قناة «الميادين» سؤالاً جوهرياً حول مدى صدقية ما أراد الاتهام الذي بُنيت عليه مطالعة شركة «عربسات» لقرار وقف بث القناة ومطالبة الحكومة اللبنانية بإجراء عقابي بحقها يصل حدّ منعها من الانطلاق من بيروت نحو العالم. والاتهام ليس هامشياً ولا يصلح القول فيه إنه مجرد ذريعة للاعتداء على قناة «الميادين» لعدم قدرة القيّمين على «عربسات» على احتوائها واستيعابها ضمن منظومة الإعلام الذي يموّلونه بصورة كلية أو جزئية، ضمن دفتر شروط أثبتوا قدرة عالية على إدارته بحنكة ودهاء ومهارة يجب أن يُشهد لهم بها. فالقضية ليست هنا. صدرهم الضيّق بما ليس لهم، وهم الذين نجحوا في ترويض قنوات محسوبة أيضاً كنصير وداعم للمقاومة، ونجحوا في مدّ الجسور مع صحف عريقة في خياراتها القومية وانتسابها الطبيعي إلى ثقافة وخيار المقاومة. والإعلام اللبناني يعرف شواهد كثيرة لقنوات وصحف لا تزال في خط أدائها العريض والعام ضمن الخندق الواسع لخيار المقاومة وتحترم قادتها وتغطي مواقفها وتخوض أحياناً بعض معاركها، لكن هذا لم يحُل دون أن تكون من ضمن منظومة علاقة خاصة بالمال السعودي أو القطري. كذلك مَن يقيم ضمن بيوت مموّلة من الخليج بأشكال مختلفة ولا يخضع لدفتر التعليمات المشدّدة الفاضحة للهوية بل يتصرّف ضمن هامش عريض للحركة يتيح له قدراً عالياً من التوازن الظاهر والاعتدال وما يسمّيه موضوعية التغطية وإدارة الحوارات واختيار الضيوف، بحيث يصير أشدّ فاعلية في تأدية ما يطلب منه من خدمات في لحظات ذروة الحاجة للحملات الإعلامية المدروسة والمبرمجة من دون أن يكون سهلاً اتهامه بالتواطؤ، بل ومن دون أن يتساءل المتلقي عن وجود خدمات مدفوعة وراء هذا الأداء. وهذا هو الأشدّ أهمية لصاحب منظومة المال والترويض والتطويع، طالما أنّ الهدف هو الفوز بحرب العقول والقلوب.

- ما تضمّنته الأسباب الموجبة من مضبطة «الميادين»، ينطلق من المدخل الأبسط الذي يشكل محور قرار تاريخي سابق لوزراء الإعلام العرب، بعدم السماح بتوجيه أيّ إساءة لأيّ حكومة في أيّ بلد عربي والموضوع هنا هو اتهام «الميادين» باعتماد سياسة إعلامية مسيئة للسعودية من بوابة تعاملها مع كارثة الحجّ في منى، والأكيد أنّ السعودية يعنيها أن لا تكون موضوع انتقاد ولو على لسان ضيوف قناة كـ»الميادين» بدأت تعرف رواجاً في شارع عربي عريض، تتغيّر توازناته مع تغيّر التوازنات العامة في المنطقة لمصلحة محور المقاومة، وستتغيّر أكثر وأكثر مع ما تشهده وستشهده سورية، لكن إنْ كان هذا هو السبب فالأمر يطرح سؤالين، الأول هو أنّ الحكومات التي أسقطها «الربيع العربي» وتناوبت على رعاية سقوطها وتركيب بدائلها ولا تزال، كلّ من السعودية وقطر، وخصوصاً عبر قناتي «الجزيرة» و«العربية»، كانت حتى تاريخ سقوطها مشمولة بالمبدأ الذي تدّعي «عربسات» أنه سبب العدوان على «الميادين»، فكيف يستقيم صيف وشتاء على سطح واحد؟ والسؤال الثاني: لو سلّمنا بالحجة «العربساتية»، ومسؤولية «الميادين» عن كلام ضيوفها، وليس فقط عما يقوله مذيعوها، فكيف يستقيم أن تكون الدولة العربية الأكبر، وهي مصر، عرضة للتناول اليومي على قناة «الجزيرة» بمستوى تأبى «الميادين» التعامل بمثله مع السعودية أو قطر أو أيّ حكم عربي آخر، وتلتزم في ذروة التصعيد قول الرأي والرأي الآخر منسوبَيْن لأصحابهما، بعدما باع أصحاب الشعار شعارهم وصاروا جماعة الرأي والرأي المعادي.

- لو كانت القضية كما تدّعي «عربسات» لكان كافياً ما قاله رئيس القناة الإعلامي غسان بن جدّو، عن دعوة إدارة «عربسات» إلى جلسة نقاش حول التهمة والاستعداد للتفاوض على حلول من وحي الحقوق والواجبات التي ينصّ عليها العقد الموقع بين «الميادين» والشركة، لتتصل الشركة وتدعو القناة وطاقمها الإداري والقانوني والتحريري لمثل هذه المفاوضات، ومنطق الأمور يقول إنّ تلك فرصة ستلبّيها «الميادين» ولن تفرّط بها، لا بل إنّ حرص «الميادين» على مواصلة البث عبر «عربسات» سيدفعها إلى التصرف بمرونة السعي للتوصل إلى تفاهم وتسوية ولو بتقديم بعض التنازلات التي لا تمسّ الثوابت، ولكن التي تُشعر صاحب الاعتراض بالمزيد من الحرص على بقاء القناة منزّهة عن لغة الشتيمة التي ترفض الانحدار إليها. وربما وفقاً لمنطق لعبة الترويض والاحتواء يُفترض بالقيّمين على منظومة الإعلام المموّل خليجياً الذين ابتكروا أشكالاً للتعاون مع قنوات وصحف ليست لهم ولا تعتمد سياساتهم، لكنها تقوم بتخديم بعضٍ من توجهاتهم في اللحظات الحاسمة، أن يسعوا هم إلى توظيف الاتهام الذي وجّههوه إلى «الميادين» لدعوتها إلى التفاوض، وتحميلها مسؤولية إفشاله عندما ترفض عروضهم لتبرير وضع قرارهم موضع التنفيذ. فـ»الميادين» أهمّ وأوسع انتشاراً، وعقول القيّمين والعاملين فيها أشدّ إغراء للمحاولة من القنوات التي ينفقون عليها كثيراً من أموالهم.

- الواضح هنا أنّ «الميادين» تعامَل كعدوّ لا كهدف، وأنّ رأس «الميادين» هو المطلوب، وليس مجرد الترويض والتطويع، وذلك لسبب تتميّز فيه «الميادين» عن سواها من الذين أُدرجوا على لوائح التعامل بالقطعة. فـ»الميادين» قناة عربية وليست لبنانية أو مصرية أو تونسية أو سورية، كي يُطلب منها دفتر شروط جزئي في ساحة تأثيرها ومواضيع الرسائل السياسية التي يستدعيها، إنها من صنف «الجزيرة» و«العربية» ذاته في الاستهداف المهني للشارع العربي كله. وفي زمن جفاف عروق القناتين، بعد سقوط الدور الوظيفي واستهلاك العمر الافتراضي، فمع نهاية «الربيع العربي» انتهت القناتان وسقطتا إلى غير رجعة، وصارتا أقرب إلى قنوات الحزبية الضيّقة والتحريضية، بل قنوات الحرب التي لا مكان فيها للحدّ الأدنى من الحرفية الإعلامية حتى في نقل التفاصيل الخبرية، ومواكبة الملفات الساخنة، طبيعي أن تصعد «الميادين» لتحتلّ كلّ شبر من الرأي العام يسقط من تحت فيء «الجزيرة» و«العربية»، وأن يتحوّل معها قسط من المال الهائل الموظف في القناتين إلى هدر بلا جدوى، إلا إذا أُسكتت «الميادين».

- منحت فلسطين، خلال سنوات قليلة، «الميادين» الفرصة لتقديم هويتها بطريقة أتاحت للمواطن العربي رؤية تميّزها، من بوابة فلسطين التي لم تعد قضية أولى في سياسات العرب، في زمن يُمنع على قناتي «الجزيرة» و«العربية» استخدام فلسطين باباً لرشوة الرأي العام العربي. فهذا الزمن قد ولّى وحلّ مكانه زمن تغيّر مفهوم الأمن القومي العربي لجعل إيران العدو وتقديم «إسرائيل» صديقاً وحليفاً يتشارك مع الحرب العداء ذاته لإيران، ومن يهون عليه أن يدعو فلسطين الجريحة والمغتصبة كي تسكت، لن يصعب عليه أن يقولها لـ«الميادين»، والمفارقة أنّ دفتر الشروط الميسّر الذي توافقت عليه منظومة الإعلام النفطي مع قنوات وصحف لبنانية محسوبة في خط يُفترَض أنه يشبه كثيراً بعض ما عند «الميادين»، لن يُعرَض على «الميادين». ومع ثقتنا بأصالة خيارات «الميادين» ومناعتها الكافية لترفض عروض البيع والشراء بالجملة والمفرّق على السواء، إلا أنها لو قبلت فليس لها مكان، لأنها تضع الملح على الجرح الرسمي العربي. والجرح هو فلسطين والملحُ هو المقاومة. وقد نجحت «الميادين» كقناة عربية أن تكون قناة فلسطين والمقاومة، لذلك قلنا ونعيد، إنّ «الميادين» ليست موضع تضامن، بل رمزية القضية.

(البناء)