nasser

ناصر قنديل

- على ضفاف المتوسط تدور حركة التاريخ بقوة الجغرافيا، فعندما تكون الصراعات الكبرى، تبرز عناصر القوة الأصلية وتسقط عناصر التضخيم الناتجة عن المال والإعلام، وكما في مباريات الأصوات الأوبرالية تبدأ المباراة بلا مؤثرات صوتية ويمنع «البلاي باك» وتسحب من أيدي المتبارين المايكروفونات، هكذا تصير الدول والشعوب والأمم قدرة صافية في حلبة الصراع، موقعاً جغرافياً ومساحة وحدوداً وشواطئ وأنهاراً وثروات من جهة، وعدد سكان ومقدرات وجيوشاً ومخابرات وعقولاً وإدارة من جهة أخرى، وبينهما قيمة مضافة وهالة يمنحها ويحجبها التاريخ القريب والبعيد. وما تشهده ضفاف المتوسط اليوم لا يشبه بشيء ما يسجله التاريخ القريب، من أحداث تعود إلى زمن ما بعد ظهور «إسرائيل» ككيان سياسي عسكري في قلب المنطقة، ولعلّ هذا أول شاهد تاريخي على أنّ الزمن «الإسرائيلي» الذي سيطر على مشهد المتوسط وضفافه لأكثر من نصف قرن بدأ بالأفول، لا يشبه ما يجري اليوم في التاريخ القريب إلا مناورة نابوليون العسكرية بين مصر وعكا، وفي التاريخ البعيد مناورة الإسكندر المقدوني على ساحل المتوسط لبلوغ بلاد فارس، وحركة رمسيس نحو فينيقيا وصولاً إلى قادش.

- لا يستطيع مَن يقرأ الحركات التاريخية أن يمرّ مرور العابرين، على المشهد المتقابل لحلفي الشرق والغرب، على خلفية حروب ممتدّة من وقوف الغرب وراء تنظيم «القاعدة» في أفغانستان بوجه روسيا، إلى غزو الأميركيين لكلّ من العراق وأفغانستان، وصولاً إلى الموقعة الفاصلة التي تمثلها سورية، بعدما استنفدت «إسرائيل» دورها الوظيفي في الحروب الخاسرة التي خاضتها بين حربَي العراق وسورية، وفي اللحظة التاريخية لما تشهده الموقعة الفاصلة يحتشد الحلفان المتقابلان بكلّ ما لديهما، ليتقرّر مصير النظام العالمي ومعه النظام الإقليمي، وتتظهّر الهويات الحقيقية للتموضع على الضفاف، تصير تركيا جبهة الغرب الحاسمة، كما أيام غزوات الفرنجة التي سمّيت زوراً بالحروب الصليبية، وها هي قوات تنظيم «القاعدة» و«الإخوان المسلمين» تخوض آخر فصول حروب الغرب، وتتموضع روسيا الأرثوذكسية وإيران الشيعية وراء الدولة السورية المدنية، آخر تعبيرات الاختلاط الديني والسكاني بالمعنى السياسي في المنطقة، والحرب تنبئ بنتائجها، لأنّ اللاعب الشرقي صمد في كلّ الجولات بطاقته السلبية وهو يكتفي بصمود لاعبيه على الحلبة، وبالكاد هو الآن يعلن بدء هجومه المعاكس، بعدما أتقن كلّ فنون المناورة والتموضع والتجهيز والتحضير، بينما لم يبق سحرة الغرب من أفاعٍ وطيور لم يخرجوها من أكمامهم، وقد استهلكوا كلّ عناصر القوة الذاتية والمستعارة والمستأجرة.

- الغرب لم يعُد يملك إلا مواكبة الحملة الشرقية بتحديد الخسائر ووضع الضوابط لحماية القلاع الأخيرة، التي صارت تتمثل بالسعودية و«إسرائيل»، وفي المقابل تبدو تركيا تترنّح، وبعد تتالي موجات العقلانية والجغرافيا السياسية التي ستفعل فعلها، انتخابات بعد انتخابات ومشروع أنابيب بعد مشروع أنابيب، فتصير ولو في زمن غير قصير، وفقاً لثنائية التاريخ والجغرافيا عندما تلتقيان، المدى الحيوي المنسجم مع محيط فاعل يطوّقها من حدودها كلها، روسيا والعراق وايران وسورية وصولاً لأذربيجان وأرمينيا واليونان، فلا يكون على المتوسط من أدوار جديدة لغير لاعب تقليدي لا يزال يحافظ على توازن خيوط اللعبة وهو اللاعب المصري، الرابح الأكبر من خروج الإخوان من معادلة تركيا والمتوسط، واللاعب المصري تتوافر له كلّ عناصر القدرة على لعب دور بين كبار المتوسط، بقوة التاريخ والجغرافيا وعمق مؤسسة الدولة.

- مصر تستعدّ بصفتها اللاعب الاحتياطي الذي لا يجوز تدخله إلا لزمن التسويات، وقد تموضع لها منذ زمن بعلاقة مميّزة مع طرفي الاشتباك الروسي والأميركي، وتهيأ للساحة الرئيسية للتسويات وهي لبنان، حيث التموضع على ضفاف الغرب والشرق محاط بأسوار الطوائف والمذاهب وتعقيدات أدوار القناصل والسفارات منذ زمن الحمايات. وقبل عام كانت المناورة المصرية النوعية في قلب الساحة التقليدية لدورها عندما قادت التسوية في دار الفتوى، ومع التراجع السعودي المتوقع للشهور المقبلة رغم المحاولات الحثيثة لإثبات الوجود، سيتقدّم برضى وغضّ نظر سعودي، بعد الانتخابات التركية، دور مصر، نحو سورية واستطراداً نحو لبنان، مصر إلى لبنان دُرّ، لكن من بوابة دمشق، أليس هذا ما بدأت طلائعه بالظهور منذ شهور؟

(البناء)