Get Adobe Flash player

nasser

ناصر قنديل

- لا يستطيع كلّ مَن سمع وزير الخارجية السعودية عادل الجبير يقول إنّ على الرئيس السوري بشار الأسد أن يختار بين التنحّي الطوعيّ عن الرئاسة أو مواجهة الخيار العسكري، إلا أن يتساءل عن درجة التوازن العقليّ لصاحب الكلام، لأنّ الكلام عن مطالبة الرئيس الأسد بالتنحّي على لسان السعودية وكلّ دول التورّط في الحرب على سورية عمره أكثر من أربع سنوات، ومرّت على سورية ظروف من الضيق العسكري والسياسي والاقتصادي أشدّ قسوة بكثير مما هي ظروف اليوم، ولم تلقَ هذه الدعوات أذناً صاغية لدى الرئيس بشار الأسد، لا بل إنّ أصحاب الدعوات سمعوا جواباً صريحاً من الرئيس الأسد، أنه كمواطن سوري يتولّى مسؤولية رئاسة الجمهورية بإرادة شعبه لن ينحني أمام أيّ إرادة خارجية، وسيتعامل معها كعدوان على السيادة والإرادة السوريتين، ولن يغادر منصبه إلا شهيداً أو بإرادة السوريين الحرة في أيّ استحقاق انتخابي لا ينال فيه التفويض الشعبي لتحمّل هذه المسؤولية الدستورية.

- نداء التنحّي الطوعي، المقصود به هنا هو التجاوب مع مفاعيل التهديدات التي حملتها الحرب غير المباشرة، بواسطة تمويل وتسليح واستجلاب عشرات آلاف المرتزقة والإرهابيين برعاية قوى حلف الحرب، ولكن بدور محوري للسعودية خصوصاً، وجوابه كان خوض غمار الحرب والصمود. ويعرف الجبير هذه الخلاصة من دون الحاجة إلى تذكيره بها، وبالتالي يعرف تفاهة التكرار. أما التهديد بالخيار العسكري، فالقصد منه هنا هو الحرب المباشرة، وقد لاحت بوادر الصعب منها والأشدّ خطورة، مع حشد الأساطيل الأميركية على شواطئ سورية والإعلان الأميركي عن قرار الحرب والدخول في حيّز تنفيذ ترتيباتها وتحديد مواعيدها، ومعلوم أنّ السعودية يومها كانت في صفوف المصفّقين والمتعهّدين بتمويل أكلاف الحرب، عدا عن تسديد المستحقات لجماعات الضغط الأميركية، ومنها اللوبيات «الإسرائيلية» لترويج وتسويق خيار الحرب على سورية، فضلاً عن فواتير الرشى التي دفعتها السعودية لمسؤولين أميركيين لتقديم تقارير مزوّرة تتهم سورية باستخدام السلاح الكيميائي، وكانت نشرت الصحافة الأميركية تفاصيل الدور السعودي في فبركتها تمهيداً لقرار الحرب، والرشى المدفوعة لأعضاء الكونغرس الذين احتضنوا القرار ووعدوا بمساندته، لكن رغم كلّ ذلك كان موقف الرئيس الأسد حازماً وحاسماً في قرار المواجهة والاستعداد لدفع الكلفة المترتبة على هذه الحرب حتى الشهادة إلى جانب جيشه وشعبه. ومعلوم موسم اللطم والندب والبكاء والعويل الذي عاشته السعودية يوم أعلنت واشنطن عودة أساطيلها من دون خوض الحرب مكتفية بالتسوية حول السلاح الكيميائي السوري، كما هي معلومة الردود الأميركية على الاحتجاج السعودي بوجه قرار صرف النظر عن الحرب أميركياً، بالتساؤل عن مدى الوقاحة السعودية التي يجسّدها السعي إلى خوض الحرب بواسطة الغير، والتساؤل: لماذا لا تشمّر السعودية عن زنودها وتدخل هي الحرب على سورية؟

- إذا أردنا سماع أصوات الذين يقولون إنّ الجبير ليس غبياً كي يعيد تكرار ما يعلم الجميع جوابه، وهو أن لا فرص لتنحّي الرئيس السوري ولا فرص لتهديده بالتلويح بالحرب، وجب علينا أن ننظر إلى كلام الجبير كإعلان شيء جديد بناء على هذا المعلوم جداً جداً، والجديد الوحيد هو أنّ يكون الجبير يبلغنا قرار الحرب السعودية على سورية رداً على التبدّلات التي حملتها المواقف الغربية من واشنطن إلى لندن إلى برلين وباريس فمدريد ومن ثم فيينا وصولاً إلى أنقرة، والتي أعلنت التسليم بتولي الرئيس السوري قيادة المرحلة الانتقالية في الحلّ السياسي، والسعودية كما الذين قالوا هذا يعلمون أنّ ما بعد المرحلة الانتقالية ليس في يدهم بل في يد السوريين، فهل قرّرت السعودية أن تخوض الخيار العسكري الذي تحدّث عنه الجبير؟

- المقارنة المنطقية تقودنا للقول إنّ مثل هذا الخيار كانت ظروفه مثالية قبل سنتين تماماً، عندما جاءت الأساطيل الأميركية لتترجم قرار الحرب، وكانت «إسرائيل» لم تعرف اختبار ميزان الردع مع المقاومة وفقاً لمعادلات عملية مزارع شبعا، وتركيا في ذروة قوة حزب العدالة والتنمية وإمساكه بالقرار ورغبته بالشراكة في الحرب، ولم تكن الدول الغربية قد وقّعت التفاهم النووي مع إيران، ولا السعودية ودول الخليج قد تورّطوا بعد في حرب اليمن، ولا كانت روسيا قد تموضعت بهذا الحجم والمستوى في سورية، ولا قام الحلف الروسي السوري العراقي الإيراني، بحيث يبدو التفكير بالحرب اليوم ضرباً من الجنون، فهي حرب بظهر مكشوف يجب على السعودية خوضها وحدها، ضدّ منظومة قوة لا يتخيّل عاقل ما يشبه إعلان الحرب عليها، إلا إعلان البحرين الحرب على اليابان مع نهاية الحرب العالمية الثانية، مع فارق أنّ الظرف كان يومها عكسياً لجهة أنّ الحرب التي أعلنتها البحرين كانت مزحة سمجة بالاستقواء على دولة مصابة بالهزيمة، بينما الإعلان الجبيري ضرب جنون بالحرب على حلف جبّار ينتصر.

- على محبّي السعودية أن يختاروا لتفسير كلام الجبير بين وصفه بالغبي والأحمق والفاقد للأهلية العقلية، أو وصف صاحب القرار السعودي بالجنون، والرأفة بالسعودية تستدعي القول إنّ الجبير فقد عقله.

(البناء)