nasser

ناصر قنديل

- لم يكن ثمة نقاش حول التوازن الذي أنشأه الاتحاد السوفياتي في وجه السياسات الأميركية في العالم على مدى نصف قرن من الزمان، فصل بين تاريخ تقسيم برلين وموعد سقوط جدار الفصل بين شطريها، رغم تفاوت درجة استخدام موسكو لقبضتها للضرب على طاولة التفاوض، أو اللجوء إلى جزمة خروتشوف للتلويح بالجاهزية للمواجهة، أو اضطرارها لحشد عناصر القوة لإجبار واشنطن على إعادة الحسابات، ورغم تعدد ساحات المواجهة على مساحة العالم، إلا أنّ هذا التعدّد لم يكن سوفياتياً أميركياً، بل كان في غالبه اشتباكاً مباشراً لواشنطن مع حركات تحرّر وطنية تناضل لاسترداد استقلال أوطانها، وقيام موسكو بإسناد هذه الحركات بما لا يصل حدّ الحضور المباشر في الميدان تفادياً للتصادم، ورغم أنّ هزائم واشنطن كانت تمنح موسكو وقفة على ضفة صناعة النصر عليها، إلا أنّ الحقيقة الاستراتيجية في كلّ هذه المواجهات بقيت أنّ واشنطن تبادر وتملك قدرة المناورات الكبرى، وموسكو في المقابل تصمد وتثبت على رفض التدخلات الأميركية ولا تتوانى عن تقديم الدعم لحركات الشعوب ومقاومتها للاحتلال الأميركي، كما في فيتتنام وكمبوديا وأنغولا، وسواها، لكن موسكو تبقى حريصة تحت سقف عدم التدخل، والعكس كان نادر الحدوث، والعكس هنا هو أن تقوم موسكو بالتدخل العسكري لحماية حليف لها، وواشنطن تكتفي بتقديم الدعم عن بعد لجماعتها، تتفادى التدخل المباشر وما قد يهدّد به من تصادم.

- أزمة خليج الخنازير التي وقعت مطلع الستينات، وكادت تؤدّي إلى صدام أميركي ـ سوفياتي على خلفية تهديد أميركي باجتياح كوبا وتهديد سوفياتي بزرع صواريخ نووية فيها في المقابل، أنتجت فعلياً توازناً سلبياً بين القطبين الأعظم في العالم وانتهت بتسوية، ضمنت حماية كوبا من جهة وعودة الصواريخ السوفياتية من جهة مقابلة، وكانت التجربة ذروة المبادرة التي تقدم عليها موسكو.

- وحدها أفغانستان شهدت حالة فريدة بتدخل عسكري سوفياتي يوم زحف الجيش الأحمر لتقديم الدعم لحكم بابراك كارمل الحليف لموسكو في وجه حرب عصابات تشنّها مجموعات المعارضة المسلحة المدعومة من واشنطن، وقد كشفت الحرب بعد نهايتها بانسحاب قوات الاتحاد السوفياتي وانهيار حكم كارمل، عن حقيقتي، اعتماد واشنطن على قوة محورية ستصبح لاعباً عالمياً خطيراً منذ ذلك التاريخ يشكل تنظيم «القاعدة» نواتها الصلبة، من جهة، وأنّ واشنطن ردّت على هزائمها المتعدّدة والمتكرّرة أمام حركات التحرّر والمقاومة، بهزيمة مشابهة وحاسمة للاتحاد السوفياتي ومن ذات الصنف وبذات الطريقة، منهية مع هذه الحرب أسطورة القوة السوفياتية، وبدء عهد التفرّد بالقرار الدولي، ومفتتحة عهد ظهور الإرهاب الذي سيشكل معضلة العالم وفي مقدّمته عواصم الغرب وفي طليعتها واشنطن التي بقيت تراهن على نظرية الاحتواء المزدوج، باستعمال الإرهاب القاعدي حيث تحتاج خصماً يقاتل خصوماً بالوكالة عنها، وقتال «القاعدة» حيث تقترب من غرف النوم الأميركية، أيّ خطوط المصالح الأميركية الحمراء.

- بعد ثلاثة عقود على حرب أفغانستان، تمكنت موسكو من استيعاب دورس التاريخ والجغرافيا، بينما أفلتت واشنطن لتدخلاتها الحبل على الغارب، في زمن الانفراد برسم خرائط العالم فتحرّرت من كلّ الضوابط، وأعادت واشنطن في أفغانستان والعراق تجاربها الفاشلة في فييتنام وكمبوديا، وأنهكتها التدخلات الخاسرة وهي في زمن الشيخوخة، بينما روسيا الفتية الصاعدة من رحم شيخوخة الاتحاد السوفياتي أعادت ترتيب أوراقها، وصياغة استراتيجياتها وتعلّمت الدروس الثمينة، فتركت، واشنطن تستنزف خياراتها وقواها وتغرق في مستنقع أزماتها تتنقل من حرب خاسرة إلى حرب أشدّ خسارة، وموسكو تتربّص الزمان والمكان المناسبين لنقلة استراتيجية تشبه، في عالم الشطرنج كمائن اللاعبين المحترفين بنقلة «كش ملك».

- كان واضحاً أنّ حرب سورية التي تقدّم لواشنطن فرصة تعويض كلّ خسائر حروبها، تقدّم لموسكو فرصة صناعة النصر الحاسم، بالضربة الناعمة، دون التورّط على طريقة أفغانستان، فالرئيس السوري بشار الأسد محاط بشعب وجيش، وحلفاء تصعب هزيمتهم، والإرهاب الذي مثله تنظيم «القاعدة»، لم يعد بنظر العالم «مجاهدي» صناعة الحرية، كما كان يوم حرب أفغانستان، وواشنطن الواقفة علناً وراء الإرهاب لإسقاط الدور السوفياتي يومها، تبرّر مداخلتها وتدخلها في سورية بالحرب على هذا الإرهاب.

- قيّض لروسيا قائد تاريخي مقدام يتقن فن الصمود فتحمّل حرب استنزاف شنّت ضدّه في أوكرانيا، وحرب أسعار استنزفت اقتصاديات بلده وحكومته، لكنه في الأولى خطف شبه جزيرة القرم بين فكيه من اللحظة الأولى وبقي يناور، وفي الثانية شدّ الأحزمة وشحذ السكاكين، وهو قائد يحترف نقلات الشطرنج، كما يحترف التربّص بطريدته، ويتقن ملامسة الخصم دون إسالة دمائه كما ينازل خصومه في مباريات لعبة مبارزة الشيش، وتمكن هذا القائد الروسي من تحمّل فظاظة وغلاظة الرئيس الأميركي الذي كان يكفي التقرّب من مسرح عملياته للدخول في حرب مباشرة، هكذا تحمّل الرئيس فلاديمير بوتين عهد الرئيس جورج بوش بلا ردّ فعل يستدرج المواجهة، حتى قيّض لواشنطن رئيس يتقن فن التراجع، منعاً للهزيمة الشاملة، فكانت مناورة بوتين الأولى يوم جاءت الأساطيل الأميركية إلى المتوسط، للحرب على سورية، فأعلن بوتين إسقاط أول صاروخين أميركيين، ووضع ترسانته العسكرية لتقديم الدعم لسورية في مواجهة خطر الحرب، وكانت الاستجابة الأميركية للحلّ السياسي للسلاح الكيميائي، ورحلت الأساطيل كما جاءت، تلت ذلك مناورة بوتين الثانية باختبار قدرة واشنطن المجيء إلى خط الإشتباك المباشر، يوم حسم إعلان عودة القرم إلى الحضن الروسي، فتيقن من حسن حسابه للمعادلات الدقيقة، وجاء إعلان واشنطن العودة للمفاوضات مع إيران وصولاً إلى توقيع التفاهم النووي معها، ليؤكد جاهزية المسرح لنقلة روسية نوعية، تفرض انخراطاً أميركياً في مفاوضات على جدول أعمال جديد يضعه بوتين، عنوانه، هذه هي شروط الحرب على الإرهاب، احترام سيادة الدول والقانون الدولي، وفي سورية على واشنطن الاختيار بين ترك مسرح الحرب أو قبول هذه المعادلة.

- في لحظة وقت مستقطع أميركية للاختيار بين مواصة الاحتواء المزدوج مع تنظيم «القاعدة»، أو الانخراط في شروط تثبت درع النصر بيد الرئيس السوري الذي تطوّع حلفاء واشنطن ورئيسها على وضع المواعيد لرحيله، حسم بوتين نقلته النوعية والاستراتيجية في الميدان، قبيل توجهه إلى نيويورك لعرض شروط التفاوض، مانحاً الرئيس الأميركي شرف الشراكة النزيهة في الحرب على الإرهاب، مستعيداً زمام المبادرة كلاعب أول على المسرح الدولي، معلناً نهاية عهد الهيمنة الأميركية على القرار العسكري والسياسي في العالم، من أشدّ المناطق حساسية وخطورة، الشرق الأوسط، وفي الحرب الأشدّ خطورة وحساسية، الحرب على الإرهاب، قائلاً بعد طول انتظار، الأمر لي، مفتتحاً زمن النصر العظيم الذي يلي كلّ صبر عظيم.

(البناء)