Get Adobe Flash player

nasser

ناصر قنديل

- كانت المفاجأة مدوية عندما بدأ تداول تقرير صادر عن منظومة الأمن والمعلومات التابعة للاتحاد الأوروبي، سبق أن قام بإعداد جزء منه مسؤولو الاستخبارات المجرية وقرّر الأمنيون المفوّضون بمهام الاستخبارات الأوروبية الموحدة استكماله وتعميمه مع إضافة الاستنتاجات اللازمة. ما قام به المجريون الذين وصفهم اللاجئون السوريون بالأشدّ عدائية نحوهم، هو ببساطة عمل إحصائي لمناطق انطلاق المهاجرين من سورية، وطبيعة المعارك التي تدور فيها، وما إذا كان الذكور القادرين على حمل السلاح من بينهم قد سبق وشاركوا في أيّ أعمال قتالية ومع أيّ طرف. وكانت النتيجة الصادمة هي أنّ نسبة تفوق ثلاثة أرباع المهاجرين تأتي من شمال سورية، وخصوصاً الشريط الحدودي بين سورية وتركيا، وبنسبة عالية منهم من المناطق التي تشكل مسرح عمليات قوات التحالف الغربي، ومسارح عمليات الحرب الدائرة بين «داعش» و«النصرة» أو بين «داعش» و«الجيش الحر» وفصائل المعارضة الأخرى، وأنّ نسبة تقارب النصف من الذكور قاتلت في صفوف فصائل المعارضة التي تقف في وجه «داعش».

- توسعت منظومة الأمن الأوروبية في التصنيف الإحصائي وطلبت من أجهزة دول أوروبية أخرى القيام بتزويدها بالمعلومات المطلوبة، وكانت المفاجأة الأشدّ صدماً هي أنّ الاستنتاج نفسه مكرّر من جهة جنوب سورية بالنسبة إلى المهاجرين المنتمين إلى بيئة راهنت على المعارضة وفصائلها المسلحة المدعومة من الغرب، فوضع الخبراء استنتاجاتهم، وأبرزها أنّ الطريق الذي يسلكه الغرب بوهم التخلص من الرئيس السوري بشار الأسد غير موصل لأيّ مكان على هذا الصعيد سوى إدامة الصراع لأطول فترة ممكنة، وأنّ ما سيحدث خلال ذلك من تداعيات يتلخّص بزوال كلّ مكوّن سوري معارض لصالح متفرّعات تنظيم «القاعدة» من جهة، ومن جهة مقابلة زيادة أعداد المهاجرين اليائسين من مستقبل رهاناتهم السياسية على الغرب يدقون أبواب أوروبا، ومن بينهم نسبة تقارب النصف مؤهّلة لتشكيل بيئة حاضنة للتطرف الديني، وأنّ العدد المقدّر في أنحاء سورية لهؤلاء المهاجرين يتراوح بين ثلاثة ملايين وخمسة ملايين، وأنّ المشكلة هي في العجز عن منع تدفّقهم مع مرور زمن مات فيه الأمل بتحقيق اختراق يفتح طريق سقوط الدولة السورية ورئيسها، أو طريق تسوية تؤدّي إلى ذات النتيجة. وفي المقابل فإنّ فتح الباب لهم سيجفف البيئة الحاضنة لأيّ معارضة مسلحة خارج نطاق «داعش»، والمشكلة الأكبر هي أنّ هذه الكتلة البشرية لا يمكن بتعبئتها إحداث اختلال في التوازن الإجمالي لسورية، فهي أقلّ من ربع السوريين الذين يمكن القول إنّ ثلاثة أرباعهم تعقد الرهان على دولتها ورئيسها.

- يقترح التقرير حلاً موقتاً عنوانه الانفتاح على استقبال المهاجرين، وتفادي الوقوع في أزمة إنسانية متفاقمة ومتفجرة، وقطع الطريق على تصادمات ومغامرات أمنية ربما تحمل كارثة لا يمكن لملمة شظاياها. لكن الخبراء يطالبون بإلحاح قادة الدول الأوروبية بالإسراع في تقييم جديد للخطاب السياسي نحو سورية، والحاجة إلى البحث في تغيير دراماتيكي يضع أولوية الأمن الأوروبي في الحساب وليس كبرياء القادة ومعنوياتهم وحفظ ماء وجوههم وسقوفهم العالية، فالمطلوب خطاب يعترف بفشل السياسات المعتمدة حتى الآن والمطلوب الاعتراف بالعجز عن إسقاط الرئيس السوري، والبحث عن تسوية معه تقوم على قاعدة منح الأولوية لاستعادة الاستقرار في سورية، بعيداً عن الطموحات المتصلة بهوية النظام السياسي في سورية ومدى ملاءمته للأجندة الغربية وتحالفاتها الإقليمية، خصوصاً أنّ أكثر من جهاز أمني في دول أوروبية مثل فرنسا وألمانيا سبق وأبلغ قيادته السياسية بأنّ طريق مكافحة الإرهاب وحماية أمن أوروبا يمرّ من قصر المهاجرين والتحدّث مع الرئيس بشار الأسد.

- توقف التقرير أمام غارات التحالف فدعا إلى تجميدها، لأنها تحفز لتوتر وتصعيد لا يقدّم ولا يؤخّر سوى بالتسبّب في زيادة أعداد المهاجرين. ودعا إلى الضغط على الحليفين التركي والأردني لضبط الحركة عبر الحدود عسكرياً، وعدم التسرّع في خوض معارك مجانية تحقق إنجازات تكتيكية محدودة ولا تغيّر بإجمال المشهد الكبير للحرب، لكنها مقابل إرضاء غرور بعض القادة الميدانيين، وتباهيهم بإنجازاتهم كما حدث في معارك إدلب ودرعا وجسر الشغور ترمي على الجدار الأوروبي عشرات آلاف طالبي الهجرة، معتبراً أنّ تشجيع الجماعات التي تحمل السلاح على الانخراط في تسوية من ضمن التصالح مع فكرة بقاء الأسد وضمان مقعد تفاوضي لها هو الطريق الذي يحقق هدفي الاستقرار في سورية والاستقرار لأوروبا، وهذا يستدعي التمييز بين الجماعات المنتمية إلى فكر تنظيم «القاعدة» وتلك التي تسعى إلى الشراكة في السلطة. أما بالنسبة إلى الجماعات المنتمية لـ«القاعدة» فيدعو التقرير إلى إثبات جدية الأوروبيين في التعامل بحزم مع كلّ حليف يواصل تقديم الدعم لهذه الجماعات ويسوّق أفعاله كمناورة حرب لأنها تعني تهديداً للأمن الأوروبي بلا مواربة.

- هذا التقرير وفقاً لخبير ديبلوماسي مخضرم في العمل على الساحة الأوروبية، كان وراء موقف وزراء خارجية اسبانيا والنمسا ولاحقاً بريطانيا في الدعوة إلى الانفتاح على الرئيس بشار الأسد، ولا يزال فرانسوا هولاند في برج العناد يدير ظهره لمواقف الأجهزة الفرنسية التي أسالت الكثير من الحبر على الورق وهي تكتب تقارير وتقدم نصائح وتقول وتصرخ: «آن أوان التحوّل»، «لم يعد وضعنا يسمح بمواصلة العبث»، «انتهى وقت الترف في السياسات نحو سورية ودقت ساعة العمل الجادّ»، لكن لا حياة لمن تنادي، فحيث المصلحة «الإسرائيلية» تتقدّم على المصلحة الوطنية لا يبدو أنّ هناك فائدة من النصح.

(البناء)