Get Adobe Flash player

nasser

ناصر قنديل

- في عام 2012 قرّر الأميركيون نشر بطاريات صواريخ باتريوت على الحدود التركية السورية ضمن تعاون أميركي تركي ورد في سياق الاستعداد لتصعيد الوضع على الحدود، تمهيداً لتدخل مباشر يقوم به الجيش التركي بدعم أميركي، أو تدخل تركي أميركي أطلسي مشترك. والصواريخ تبعتها صواريخ من دول أوروبية بطلب أميركي، خصوصاً من ألمانيا، عندما كان الخيار هو التحضير لاستخدام الحدود التركية مع سورية كخط لاختراق الجغرافيا السورية. ومنذ ذلك التاريخ ارتفع عالياً الحديث عن مصطلح راج كثيراً في مرحلة غزو الأطلسي لليبيا، وهو مصطلح منطقة الحظر الجوي، وبعده مصطلح المنطقة العازلة.

- في كلّ مرة كان الأميركيون يجدّدون مدة وجود هذه الصواريخ لستة شهور أخرى، كمهلة روتينية معتمدة للمهمة يجري تجديدها تلقائياً. كان الأمل لدى الأتراك ببقاء فرصة العودة إلى فرضية الحظر الجوي يكبر، فترجمة قرار إقامة منطقة الحظر الجوي داخل الأراضي السورية، تعني حرمان الطيران السوري من التحليق داخل مجاله الجوي، لمدى كيلومترات يحدّدها القرار، وكانت عموماً هي الكيلومترات التي تقوم بتغطيتها شبكة صواريخ الباتريوت الأميركية المنشورة على الحدود التركية السورية.

- لم يكن ثمة مبرّر لنشر الباتريوت إلا التفكير بالعدوان على سورية، فهذه الصواريخ تضمن منع الطائرات والصواريخ السورية من عبور الأجواء التركية، إذا وقعت حرب يجري خلالها استهداف العمق السوري من طائرات وصواريخ أطلسية، وطالما كان مقرّراً أنّ تركيا هي قاعدة هذا العدوان كان الردّ السوري المتوقع يقوم على اختراق الطائرات والصواريخ السورية للمدى الجوي التركي الذي تحرسه صواريخ الباتريوت.

- عندما رحلت الأساطيل الأميركية عام 2013 بعدما جاءت تحت شعار الحرب على سورية، بدا أنّ اللجوء إلى الحرب أخذ يتراجع حتى تلاشى، فالذي يجلب الأساطيل تحت شعار اتهام سورية باستخدام الأسلحة الكيماوية ويعود بها من دون خوض الحرب، لن يجد مناسبة ولا شعاراً وعنواناً أفضل لخوضها، ليبقى التجديد للباتريوت وإقامته على الحدود تحين الفرصة لخيار منطقة الحظر الجوي، لأنّ الأميركيين مدركون منذ البداية أن لا خطر من استهداف سورية للعمق التركي حتى يكون المبرّر حماية تركيا من هذا الخطر.

- اليوم وفي ذروة الحديث التركي عن التفاهم مع الأميركيين على إقامة منطقة الحظر الجوي، الذي يمنح تركيا فرصة منع الطيران الحربي السوري من التحليق داخل الأجواء السورية على مدى عشرات الكيلومترات، تحت طائلة التهديد بالباتريوت لإسقاط هذه الطائرات، تعلن واشنطن وألمانيا سحب بطاريات الباتريوت مع نهاية المهلة التقليدية المجددة مراراً والمستمرة حتى تشرين الأول المقبل، فيعلنون عملياً نعي منطقة الحظر الجوي كحلم يستند إليه الحلم التركي، بتقديم الحماية للجماعات المسلحة التي يقومون بزجّها داخل الأراضي السورية، ومعه حلم السيطرة بالنار على شريحة من الجغرافيا السورية يمثلها الشريط الحدودي، الذي يضربون فيه عصفورين بحجر واحد، فيصيبون مهابة ووحدة سورية ويساومون عليها، ويصيبون الجماعات الكردية التي يريدون تأديبها لضمان الفوز الانتخابي لحزب العدالة والتنمية، فيأتي الجواب الأميركي مزدوجاً وسلبياً في الاتجاهين، معلناً سقوط الحلم التركي.

- في آخر اندفاعات الرئيس التركي، قبيل ترسيم خريطة القوى إلى مائدة التفاوض في المنطقة، وفي ذروة التطلع التركي إلى فرض تدخل تركي يحجم الدور الكردي في تركيا، ويعرض التوتر مع سورية لخطر التصعيد بصواريخ أميركية، قال الجنرال مارتن ديمبسي رئيس أركان الجيوش الأميركية أمام الكونغرس أنّ التورّط الأميركي فيه، يعني مخاطر حرب شاملة ستدخلها سورية بكلّ قوتها، ويدخلها معها حزب الله، وتكون «إسرائيل»مرماه، وستدخلها لاحقاً إيران، ولا ضمانات ألا تدخلها روسيا بشكل أو بآخر، فتقول أميركا إنّ ما بعد التفاهم النووي غير ما قبله وإنّ زمن الحرب قد انتهى، فزمن حروب حلفاء أميركا هو زمن أميركي تحدّده ساعة توقيت واشنطن لا أيّ عاصمة أخرى، وعلى من يريد أن يفعل خلاف ذلك فليفعله من حسابه.

- واشنطن تعلن سحب الباتريوت، فتعلن معه، نعي الحلم التركي الإمبراطوري عبر بوابة العبث بالجغرافيا السورية، وتعلن نعي الحلم التركي بشطب العامل الكردي من الحدود مع سورية تمهيداً لشطبه من الداخل التركي، وتعلن نهاية الحروب الإقليمية والدولية، وتعلن أنّ ما هو أهمّ من الكلام الأميركي هي الأفعال الأميركية… نعيماً أردوغان.

(البناء)