Get Adobe Flash player

nasser

ناصر قنديل

- لم تترك إيران جهداً لم تبذله لمساعدة تركيا والسعودية على مغادرة المركب الغارق الذي تستقلانه بالتشارك مع متفرّعات تنظيم «القاعدة» من ضمن رهان خاسر للفوز بجزء من سورية، والتوهّم أحياناً بالقدرة على إسقاط رئيسها. لكن إيران لا تتسوّل السياسة، ولا تخوضها كحملة علاقات عامة جوفاء، وهي التي بنت مدرسة في علوم التفاوض من خلال فوزها بالتفاهم على ملفها النووي من دون أن تمسّ ثوابتها ومن دون أن تخسر ذرة من حقوقها في امتلاك كامل حلقات التقنية النووية بعقول ومعدات وأيد وأموال إيرانية وطنية، وتصرف إيران المسالم والهادئ مع عنجهية وتغطرس الخطابين التركي والسعودي. يعرف كلّ من يهتمّ بمتابعة السياسة في الشرق الأوسط أنه نتاج شعور بالقوة من جهة، وثقة بصوابية الخيارات التي تنتهجها إيران من جهة ثانية، وتعبير عن إدراك مسؤولياتها كقوة إقليمية أولى معنية بإنتاج نظام إقليمي ينتصر على الإرهاب ويحفظ الاستقرار من جهة ثالثة.

- بذلت إيران الكثير اقتصادياً وسياسياً لتقديم الحوافز لتركيا، لمساعدتها على الانتقال السلس من الضفة الخاطئة إلى الضفة الصحيحة في الحرب على سورية، وحفظت لها مكانة في الحلول الإقليمية لو استجابت القيادة التركية للنصائح الإيرانية لنالتها، لكن الوقت أخذ ينفد والقيادة التركية تمارس سياسة التذاكي. وكانت مرحلة ما بعد التفاهم النووي الإيراني، فرصة تركيا للانتقال من الاستثمار على الموقع التجاري البديل في اقتصاد الحصار والعقوبات المفروضين على إيران، لتكون قاعدة الاستثمار التي يرتاح الغرب للانطلاق منها وترتاح إيران لتتوجه إليها، لكن مقابل هذا الدور المديد والوفير العائدات كانت إيران تنتظر قدراً من المصداقية التركية في التعامل في القضية السورية وفقاً للتعهّدات التي قطعها لإيران كبار المسؤولين الأتراك تحضيراً لزيارة وزير خارجية إيران التي كانت مقرّرة لأنقرة يوم أول من أمس وألغيت في اللحظة الأخيرة، وتوجه على أثرها الوزير محمد جواد ظريف إلى بيروت من دون المرور بأنقرة، بعدما كان تثبيت التفاهمات المتوقعة هناك سيشكل جدول أعمال لقاء ظريف بالرئيس السوري بشار الأسد وأمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله.

- قرّرت تركيا التذاكي ففتحت معركة سهل الغاب شمال غربي سورية عشية موعد الزيارة، فكان الردّ إلغاء الزيارة، ومعها رسالة مذيّلة بتوقيع ظريف شخصياً، مفتتحاً بذلك عهداً جديداً من الديبلوماسية الفذة، فيسطر الوزير ظريف مقالاً، ينشره في صحيفة «جمهورييت» التي تناصب العداء لرجب أردوغان وحزبه، والتي يجهد أردوغان لإدخال رئيس تحريرها جان دوندار إلى السجن.

- كتب ظريف أنّ تنظيم «داعش» تغذى على الفوضى وعدم الاستقرار الذي تسبّب به الغزو الأميركي للعراق. وأنّ «العناصر المتطرفة وجدت بيئة ملائمة خلال الأزمة السورية عبر الدعم الذي تلقته من أفراد ومنظمات وحكومات في المنطقة، وتحوّلت إلى كيان ضخم يلاحق قضايا وأهدافاً زائفة». وختم: «اليوم أصبحت تلك العناصر تهدّد مؤسّسيها وداعميها».

- ديبلوماسية بأدوات جديدة يفتتحها المفاوض الإيراني الذي أعيا الغرب بديناميكيته وحنكته ومثابرته وإتقانه لأداء مهمته، وقدرته على الابتكار، وها هو في بيروت ودمشق يناقش ما بعد التذاكي التركي بدلاً من أن يناقش كما كان مقرّراً كيفية تسهيل التموضع التركي لو صدقت التعهّدات.

- سيندم الأتراك كثيراً على العبث مع ظريف إيران، والفرصة التي ضاعت، وربما ينشدون بدلاً من وساطة إيرانية في المسألة السورية وساطة في المسألة الكردية.

(البناء)