nasser

ناصر قنديل

- عرف لبنان مع بداية الأزمة السورية تورّطاً متمادياً لتيار المستقبل، بنقل الصراع في سورية من الصراع السياسي إلى المواجهة المسلحة، بما وفره التيار لحساب مرجعيته الإقليمية والدولية، من حضانة عبر الأراضي اللبنانية والبيئة السياسية والإعلامية والمالية والأمنية التي يستطيع التحكم بها، ليتحوّل لبنان خلال العامين 2011 و2012 إلى البوابة الرئيسية لإمداد الجماعات الراغبة بالتسلح والتنظيم المسلح بكلّ مستلزمات ذلك مالاً وسلاحاً وذخيرة وخطوط إمداد، وتحوّلت عكار وعرسال إلى قاعدتين وركيزتين محميّتين لهذا الغرض، ومثلهما عكار وعرسال أمنية وفرها فرع المعلومات، ومصرفية وفرتها لعبة المستقبل المصرفية، وإعلامية تخطت دور قناة وجريدة «المستقبل»، لتشكيل غرف عمليات لصناعة الشعارات عبر دور شركة إعلانات لبنانية، ومثلها غرف عمليات إعلامية مركزية وميدانية لمواكبة الأحداث ونقلها الحي.

- لم يتوقف تيار المستقبل عن هذا الدور حتى عندما أفلست هياكل المعارضة السورية المنخرطة بالدم والمموّلة سعودياً عبر المستقبل غالباً، وعندما ظهر أنّ الجيش السوري يمسك بزمام المبادرة خصوصاً بعد معركة بابا عمرو في حمص، وما تلاها من معارك مشابهة، فكان تيار المستقبل على رغم ظاهر العداء المصلحي والإيديولوجي مسوّقاً ومبرّراً وحاضناً لجماعات تنظيم «القاعدة»، وكانت حادثة الدفاع عن شادي المولوي الذي أعلن أخيراً عن نفسه كقائد في تنظيم «القاعدة»، واحدة من المحطات على هذا الطريق، وهكذا استبدلت الخدمات التي تقدّمها عرسال وعكار السياسية والعسكرية وعرسال وعكار المصرفية والإعلامية والأمنية وجهتها، من مسمّيات «كتائب حفاضات عقاب صقر وحليب خالد الضاهر»، إلى «جبهة النصرة» التي ظهرت فصيلاً رئيسياً يمثل تنظيم «القاعدة» ويتولى بحضانة خليجية وتركية و«إسرائيلية» قيادة المعارك في سورية.

- بعد معارك القصيْر عام 2013 ودخول حزب الله بقوة على خط المواجهة، والهزائم المتلاحقة التي مُنيت بها تشكيلات «القاعدة»، وجولات التخريب والتفجير التي شهدها لبنان، في ظلّ موقف ملتبس لتيار المستقبل بقي يعتبر الإرهاب مجرد ردّ فعل، مشروع ومفهوم، يصفه وزير العدل بانفعال «الثوار» و«الشباب راسهن حامي»، بينما حزب الله يتحمّل مسؤولية كلّ شيء في نظره وهو ينزف، لكن الوقائع كانت تسقط رهان «المستقبل» وتجعل فرص استخدام لبنان كمنصة وحاضنة إلى تراجع، بمعزل عن كلّ ما يجري في سورية، ويراه «المستقبل» مؤشراً مبشراً بانتصار رهانه على هزيمة الدولة السورية وجيشها، وانتصار الحرب السعودية من اليمن إلى سورية إلى أوكرانيا ربما؟

- مع حرب القلمون ومساراتها، وما بات محسوماً لجهة حصيلتها، بنصر يحققه حزب الله على الفصيلين الأبرز «داعش» و«النصرة»، يبدو أن لبنان يقترب من الاستقرار، وأنّ التشكيلات الإرهابية سيتعرّض ما تبقى منها في لبنان للملاحقة والتنظيف بسهولة، طالما توقف الضخ الخارجي لها، لاستحالة إيصاله إلى سورية من جهة، وتقطعت أوصال الإمداد للموجود منها في لبنان من جهة أخرى، بغضّ النظر عما يحدث في سورية بعيداً عن الحدود اللبنانية وتباين التوقعات اللبنانية بصدده ودور حزب الله فيه.

- يدخل لبنان مرحلة ثالثة من التداخل مع الأزمة السورية هي الأخطر على الإطلاق، وهي مرحلة تدخل النائب وليد جنبلاط، الذي بقي مكتفياً بالموقف السياسي كتعبير عن عدائه للدولة والجيش في سورية، وتكرار سقوفه العالية كلامياً، والسعي إلى ترجمتها، لكن من دون فائدة في التأثير في موقع ودور الشريحة التي يمثلها الموحدون الدروز في النسيج الاجتماعي والطائفي والجغرافي لسورية، لينتقل إلى مرحلة هي الأخطر، بتزاوج أضلاع مربّع التهديد بالمجازر من جانب «النصرة» والرعاية «الإسرائيلية» لمشروع الحزام الأمني مع المسعى الجنبلاطي بالحياد، والرهان الأميركي على فكفكة سورية وتخليع روابطها ككيان ودولة، هو الأخطر لكونه يشكل نواة لمشروعين خطيرين من جهة، هما التفتيت والحزام الأمني «الإسرائيلي»، ولأنهما يهدّدان بنقل العدوى سريعاً إلى لبنان من جهة أخرى، ولأنّ الاستثمار على التعب والخوف لطرح الحياد أشدّ خطراً من الدعوة إلى التموضع والانحياز على إحدى ضفتي الحرب من جهة ثالثة، ولأنّ الراعي هو وليد جنبلاط من زاوية رابعة.

- اختيار بلدة حضر الممتدّة في سفح جبل الشيخ، قريباً من راشيا، والمحاصرة بالنار «الإسرائيلية» ومسلحي «جبهة النصرة» والعرض الجنبلاطي، نقطة بداية لبقعة زيت ليس انتشارها من النوع القابل للمحاصرة بقوة حدود الجغرافيا، ما يستدعي تنبّهاً لبنانياً، خارج سياق المواقف البلهاء بالنظر إلى الأمر من زاوية ساذجة تصدّق أنه مسعى إنساني لحقن دماء الأبرياء.

- جنبلاط يعبث بالنسيجين اللبناني والسوري معاً، ويغامر بإنعاش الآمال «الإسرائيلية» بالحزام الأمني عبر سوار جبل الشيخ الممتدّ على حدود فلسطين المحتلة مع كلّ من لبنان وسورية على السواء ضمن نسيج اجتماعي متشابه يسهّل العبور بذات الخطاب والآلية من ضفة إلى ضفة، واللبنانيون يرتكبون على اختلاف مشاربهم، خطيئة العمر ما لم يستيقظوا ويتنبّهوا لخطورة العبث الجنبلاطي هذه المرة، فهل من يقرع الجرس، ويقول لجنبلاط كفى دلع ودلال على اللبنانيين، حذار الخط الأحمر؟

(البناء)