Get Adobe Flash player

 

nasser

ناصر قنديل

- الواضح في الحرب على سورية وعلى المقاومة وصول الأميركيين و«الإسرائيليين»، بصورة مبكرة إلى استبعاد خيار الحرب المباشرة، والواضح أكثر أنه عندما حانت مؤشرات مثل هذه الحرب سرعان ما تراجع عنها الأميركيون و«الإسرائيليون»، بعدما بدا أن سورية والمقاومة تخطوان الخطوات الأولى نحوها، كما بدا مع حشد الأساطيل الأميركية في المتوسط وموقف سورية وجاهزيتها للحرب، وكما ظهر من عملية مزارع شبعا الأخيرة وما رافقها من تحدّ للذهاب إلى الحرب تراجعت عنه «إسرائيل».

 

- استطراداً مرّ حلفاء واشنطن باستحقاقات مشابهة وخيارات مشابهة، خصوصاً تركيا، باعتبارها الدولة الوحيدة التي تملك حدوداً وقدرات حقيقية مقابل سورية، ويمكن إذا قرّرت الحرب أن يشارك الآخرون من السعودية وقطر وسواهما في التمويل والتعبئة والتغطية، وربما بفتح جبهة الأردن، لكن من دون تركيا لا يمكن حتى مجرّد التفكير بخيار الحرب، ومرّت تركيا عدة مرات باختبارات الذهاب إلى الحرب، منذ سقوط طائرتها الحربية بنيران الدفاعات الجوية السورية وترهبها من التصعيد، إلى المناوشات الحدودية التي رافقت سقوط القذائف عبر الحدود وما تتيحه من فرص لمن يريد قرار الحرب، وصولاً لقرار استرداد قبر سليمان شاه كإشارة للمداخلة العسكرية التركية في سورية، وفي المقابل الحرص على التبليغ المسبق لقنصلية سورية في اسطنبول من جهة، على رغم أنّ العملية في منطقة تحت سيطرة «داعش»، والحرص على تنفيذ الدخول والخروج تحت عنوان مسألة غير سياسية ولوجستية لنقل القبر برمزيته المتصلة بالتاريخ العثماني، من جهة مقابلة.

- المنطقي عندما تطرح المؤازرة التي تقدّمها تركيا للجماعات المسلحة من إيواء وحماية وتدريب وتنظيم ومشاركة مخابراتية في التخطيط والتنفيذ، أن يطرح السؤال لماذا تغاضت تركيا سابقاً عن استرداد كسَب على يد الجيش السوري ولم تشعل الحرب، كسَب الحدودية التي كانت تركيا ترعى الهجوم عليها، ولماذا تصمت تركيا يومياً على حركة الطيران السوري قرب الحدود وهي صاحبة مشروع المنطقة العازلة، ولماذا لا تجرؤ هي على إعلان قيام منطقة عازلة تحظرها جوياً على الطيران السوري، كما السؤال طالما أن تركيا تقف وراء ما جرى في إدلب وجسر الشغور فلماذا لم تتجرأ على حلب، والجواب دائماً هو أنّ تركيا ستفعل كلّ ما يلزم لدعم المسلحين وإضعاف سورية وحفظ حضورها في الحرب، لكن تحت سقف عدم التورّط في الحرب المباشرة.

- الأكيد أيضاً مع هذا كله، أنّ الرهان على قيام معارضة سورية مسلحة بعيدة عن تأثير «داعش» و«النصرة»، تنطلق من تكوين يؤمن بالدولة المدنية، ويملك القدرة على القتال والامتداد الشعبي، هو رهان سقط منذ زمان قبل أن يقول عنه باراك أوباما أنه مجرد فانتازيا، فخلال العامين الأولين للحرب على سورية، بدا أنّ ترك هذه المعارضة تحت مسمّى «الجيش الحر» من دون الاستنجاد بـ»القاعدة» سيعني تلاشيها، بعدما اتضح ارتباطها بمشروع يدعمه الخليج و«إسرائيل»، وأنّ السبيل الوحيد لمواصلة الحرب هو تسليم دفة القرار تدريجاً لـ«القاعدة»، وهذا ليس بخاف على أحد، وما مات قد مات، فلا يمكن إحياؤه وقد صار رميماً وحلماً ماضوياً بلا أفق، من أين يأتون اليوم بمدنيين علمانيين سوريين ضدّ الدولة والجيش يقاتلون ضدّ «داعش» ويقبلون أن تكون حليفتهم السعودية وظهيرهم تركيا وسيّدهم أميركا وصديقهم «إسرائيل»؟

- الرهان الوحيد الذي تلاقى عليه السعودي والتركي و«الإسرائيلي» والقطري والفرنسي لمقاتلة سورية، كان تسهيل ولادة «داعش» ورعاية هذه الولادة، ليكون وجه الوحشية مرتبطاً بهذا الاسم، استخدام اسم «جبهة النصرة» كرمز لقوة يمكن تسويقها كعدو لـ«داعش»، وللدولة السورية معاً، وجعل الحرب بين «داعش» من جهة والجيش السوري وحزب الله من جهة مقابلة تستنزف الجميع، فيجري تقديم «النصرة» بديلاً معتدلاً، على رغم المعرفة بكون «النصرة» هي الفرع الرسمي المعتمد لتنظيم «القاعدة».

- تحدّث «الإسرائيلي» مراراً، وتحدثت أطراف الرابع عشر من آذار، ووليد جنبلاط، وسعت قطر وسعت السعودية وعملت تركيا ما في وسعها، لتسويق «النصرة» كقوة يمكن التعامل معها، وسورية والمقاومة ماضيتان في الحرب ضدّ «النصرة»، والأميركي عاجز عن التحرك علناً لقبول «النصرة»، فـ»النصرة» هي «القاعدة»، حتى قرّر الفرنسيون البدء بالتحرك العملي لإعادة فتح ملف تقييم جبهة «النصرة» كتنظيم إرهابي، ووضع توجه في الاتحاد الأوروبي يشبّه «النصرة» بحركة «حماس» ويدعو إلى الانفتاح عليهما معاً، وتقييم سلوكهما كتنظيمات متهمة بالإرهاب وليس كتنظيمات إرهابية.

- ما جرى من تقدم لـ«داعش» تحت العين الأميركية نحو تدمر، هو تمريرة للفرنسيين وحلفائهم في السعودية وقطر وتركيا، لجذب الجيش السوري وحزب الله للقتال في الصحراء، وترك جبهة القلمون حيث القتال في وجه «النصرة».

- تلقى أوباما صفعة فشله في منع تقدّم «داعش»، وهو يقود الحرب على الإرهاب منفرداً وبشروطه لقيادة التحالف الذي شكله لهذه الحرب، وتلقى الفرنسيون وشركاؤهم صفعة مواصلة حزب الله وسورية لحرب القلمون ضدّ «النصرة».

- ستبقى الأولوية سحق «النصرة» كما كانت في ما مضى سحق «الجيش الحر»، ومتى بقي «داعش» بلا نصرة وبلا جيش حرّ، ستكون للحرب على «داعش» حسابات أخرى.

(البناء)