nasser

ناصر قنديل

- ثمة عناصر خفية في الحرب السورية يستحيل دون فهمها امتلاك مفاتيح التطورات التي تعصف بالأسابيع الأخيرة منها، فثمة جغرافيا غالية بذات المستوى على قلوب السوريين من جهة، وثمة تفاعل مع الثقل المعنوي للمدن ووزنها السكاني من جهة أخرى، ما يجعل السؤال مشروعاً عن سبب التركيز من جانب الجيش السوري والمقاومة على القلمون، فيما حرب حقيقية تجري شمال وجنوب سورية وتهدّد مدناً ومناطق.

- الأكيد أنّ ترتيبات دفاعية لمنع تمدّد الاختراق الذي وقع في إدلب وجسر الشغور قد اتخذت، وأنّ الوضع في ريف اللاذقية وما وراءها بات حصيناً كما تؤكد مصادر معنية بالمعارك الدائرة هناك، ولكن ترتيبات هجوم معاكس ليست الآن ولو أنها لن تتأخر.

- القلمون هو المنطقة الممتدّة من القصيْر إلى أطراف جبل الشيخ، ومن ضمنه منطقة المصنع الحدودية بين لبنان وسورية، وبتقاطعه مع جبل الشيخ يلفّ بحزام من جهتي الجولان ومزارع شبعا مروراً بالبقاع الغربي كلاً من حدود لبنان وسورية مع فلسطين المحتلة، أو بالأحرى انتشار جيش الاحتلال، وشمالاً من القصيْر إلى البحر مع مجرى النهر الكبير الشمالي تتشكل منطقة كانت موضع كرّ وفرّ بين الجيش السوري والمجموعات المسلحة، وحسمت باسترداد الجيش السوري والمقاومة للقصيْر، وإغلاق نوافذ عكار اللبنانية على عكار السورية وبحيرة قطينة، وتل كلخ فالبحر عند مجرى النهر الكبير.

- البعد الإقليمي للحرب على سورية لا ترسمه تركيا ولا السعودية ولا الأردن ولا قطر بل «إسرائيل»، و«إسرائيل» فقط، والمشروع المشترك بين حلفاء الحرب يتوقف على كيف تكسب «إسرائيل»، التي إنْ كسبت كسبوا جميعاً، لأنها وحدها تستطيع تسييل ربحها رصيداً يغيّر معادلات القوة وتوازناتها الاستراتيجية في المنطقة، وتستطيع تسييل ربحها تعديلاً في الخيارات الأميركية.

- أن تنجح «إسرائيل» في تمكين «جبهة النصرة» من الإمساك بالقلمون والتمدّد نحو جدران جبل الشيخ والتوسع شمالاً حتى حوض النهر الكبير وصولاً إلى البحر يعني، تشكيل إمارة تمسك بخطوط انتشار جيش الاحتلال وتقيم بينها وبين لبنان وسورية عازلاً لا يسمح بالاشتباك المباشر، وتمسك بشريحة جغرافية تقطع اتصال لبنان بسورية، وتقصم ظهر المقاومة، وحكماً بلا نقاش، فإنّ النجاح في هذا المشروع يضرب ميزان الردع الذي أقامته المقاومة ولا يضربه سواه.

- مثل «النصرة» لا قيمة لوجود «داعش» في الرقة السورية وصلاح الدين العراقية، بقدر قيمة وجود إمارة «داعش» في الموصل ومقابلها الحسكة والأنبار ومقابلها دير الزور وصولاً إلى صحراء تدمر والحدود الأردنية لقطع الوصل بين سورية والعراق، لذلك فإنّ ثالث المناطق أهمية من الزاوية الاستراتيجية إذا تحققت الإمارتان، لـ«داعش» على حدود سورية مع العراق، ولـ«النصرة» على حدود سورية مع لبنان وفلسطين، هي حدود الأردن مع سورية والعراق، باتصال الإمارتين، فتصير لسورية بوابة واحدة على العالم عبر تركيا ولا يعود مهماً كم تتوغل تركيا بواسطة «النصرة» أو «داعش» داخل حدود سورية.

- إسقاط المشاريع الجهنمية كلها يبدأ من القلمون، ومتى سقطت «النصرة» في القلمون سقط وتدحرج الباقي وصارت أهميته تكتيكية، لذلك كانت حرب الشمال والجنوب لمنع حرب القلمون، والهدف الخفي هو جذب القدرة العسكرية المعدّة لحسمها إلى الشمال والجنوب، وكان الأتراك والأردن خدماً عند «الإسرائيلي» لهذه الغاية، ولذلك صمد الجيش السوري وصبر وتحمّل وهو يتحمّل، والطبول تقرع لحرب القلمون.

- في القلمون ترسم الخريطة الجديدة للشرق الأوسط، ومن يمسك بالقلمون سيمسك مفاتيح الخريطة، على رغم المساحات والمدن والأهمية القيمية والأخلاقية وحياة الناس ودماء الشهداء، لكلّ مكان آخر، ربح القلمون يفتح باب المعارك الرابحة، وخسارته تفتح باب المعارك الخاسرة، وما قبله يتقرّر بما بعده، هذا يصحّ على جبهتي القتال.

(البناء)