nasser

ناصر قنديل

منذ أربعين سنة عندما اندلعت الحرب الأهلية في لبنان، لم يكن في حساب أحد أن حدثاً بهذا الحجم من التأثير الثقافي والبنيوي يعصف بالبلاد العربية، وأنّ الجرثومة التي بدا أنها تتسلل لتفتك بالجسد اللبناني، ستصبح خلال أربعين سنة، مرضاً عضالاً يتمدّد ويتجذّر في كلّ أنحاء الجسد العربي، ويصير سبباً لانحلال عناصر الوحدة داخل كياناته ويعيد فكها وتركيبها على خطوط تماس طائفية ومذهبية.

كان أغلب النظر لحدث بداية الحرب في لبنان، عند بدايتها كحدث أمني سرعان ما تتم السيطرة عليه، وتعود الحياة إلى طبيعتها، ومن جولة إلى جولة في الحرب، كان اللبنانيون يعتقدون أنها الجولة الأخيرة، وحتى عندما تم التدخل العربي في لبنان لوقف الحرب، بقيادة سورية، لم يتوقع اللبنانيون ولا العرب أنها هدنة بين جولات مضت وجولات آتية.

من حقبة إلى حقبة في مسار الحرب الأهلية الباردة والساخنة، عاش لبنان وهم الخروج السريع، والشفاء من جرثومة الحرب، ولم يكن بعد عشرين سنة من بدء الحرب من يصدق أن جولات تالية تنتظر اللبنانيين وراء الباب بعد وهج اتفاق الطائف، وخاض اللبنانيون جولاتهم القصيرة مرات عدة، وهم يتحدثون عن النجاح بتفادي الوقوع بخطر العودة مرة أخرى إليها، فغزوة الأشرفية كانت واحدة من الجولات، وقرار فك شبكة اتصالات المقاومة وصولاً للسابع من أيار وإنتهاء باتفاق الدوحة جولة أطول من جولات الحرب، والذي لم ينتبه إليه اللبنانيون، أنهم منذ الثالث عشر من نيسان دخلوا حرباً أهلية مفتوحة، جعلت حدة تناوب الجولات ومدة الهدنة الفاصلة بين جولتين، سقف ما يتوقعه اللبنانيون من خير لبلدهم.

الحرب الأهلية المستمرة في لبنان، هي حالة ثقافية بنيوية، نخرت خشب بلد كان يقف على مفترق إدارة شؤونه في الاتفاق والاختلاف بين مسارين، مسار التعامل كدولة مدنية مقفلة على التدخلات الخارجية قادرة على ممارسة الرشد السياسي واللجوء للمؤسسات لحل نزاعاتها، دولة يرتبط مواطنوها بدولتهم بهوية أحادية هي المواطنة، ومسار أنهم مجموعة دويلات طائفية ومذهبية، مفتوحة على ولاءات تجعل لكل دويلة خارجاً يحميها وتشعر بدفء الانتماء إليه أكثر من دفء الانتماء للوطن، ويصير كل خلاف داخلي تعبيراً عن بعد خارجي أو ساحة لتلقي المداخلات والتدخلات الخارجية، ولما اختار اللبنانيون متعة لحس المبرد، قرروا لمرة واحدة وما عاد القرار لهم.

ازداد اللبنانيون تجذراً بثقافة التشظي والتفكك والتطلع نحو الخارج عما كانوا عليه عشية الحرب، فصاروا في قلب الحرب أكثر من أعتى جولاتها، فقد أضيفت للطائفية المذهبية وصارت أشد منها قسوة وخطراً، وتوسع شق التفكك في النسيج الوطني طولاً وعرضاً وعمقاً، كما اتسعت فتحات وشبابيك التدخلات الخارجية، وصار استدراجها علنياً وبلا خجل، وصارت لها مشروعية، بل صار القادة يقدمونها مخرجاً من الأزمات، وصار الناس ينتظرونها كما ينتظر المدمنون جرعة المخدرات، المسمومة، وصار الترويج للولاءات الطائفية والمذهبية بصفتها هوية أصلية آن أوان الاعتراف بشرعيتها، وحقها في التقدم، وصارت الفيديرالية شعاراً وهمياً لدى البعض، بينما ما كان يراد لهذا الفالق اللبناني الديمغرافي، أن يشكل بداية شق يتمدد في سائر البلاد العربية، ولما بدأت مفاعيله تظهر أدار العالم ظهره للبنان، بانتظار أن يفرغ من هندسة نتائج التفكك العربي ويديرها، بخبرته اللبنانية، ولاحقاً يمكن أن يعود الخارج إلى لبنان، لمسح بعض القيح من جروحه وقد لا يعود، إذا كان هذا الجرح مفيداً لضخ المزيد من ارتفاع الحرارة في الجسد العربي.

من لبنان إلى العراق، إلى كل مكان انتشرت الحروب الأهلية، وما تبقى إلا عدد محدود من بلاد العرب يعيش الحرب جمراً تحت الرماد، ويظن من ظاهر الحال أن الأمور بألف خير، مصر انزلقت على جبهات، وليبيا شرقاً وغرباً والسودان جنوباً وشرقاً والمغرب من صحرائها، وسورية حرب لأن الحرب الأهلية لم تنشب، واليمن آخر حرب نعيش وطأتها، بالنيابة عن حرب لم تعلن في السعودية ولم تعد بعيدة، وبالوكالة عن بحرين يغلي، ومتى انفجرت السعودية اشتعل الخليج وانشطر الأردن.

لولا ولادة أنبل ظاهرة في التاريخ العربي من لبنان، هي المقاومة، ولولا صدق ولائها لخياراتها، لكانت جولات الحرب اللبنانية أعنف، وأشد ضجيجاً، ولما بقي للقضايا الكبرى من يتذكر، وصارت فلسطين في مجاهل النسيان.

ما يعصم لبنان ويحصنه أن المقاومة قوية لدرجة، أنها موضع حساب في كل حرب، وتصنع معادلة قوامها «من يريد الحرب لا يقدر عليها ومن يقدر على الحرب لا يريدها»، ولعل ما سيعصم العرب عن انفجار المزيد من جولات الدم، أن غول التطرف الطائفي والمذهبي، الذي أطعمه الغرب ليأكل بوحشية جنين الدولة الوطنية الذي كان نموه مشوهاً في البلاد العربية منذ مشاريع الاستقلال المبتورة، لم يعد يشبع من المراعي الوطنية، وصارت عينه على بلاد الغرب، فسمي بالإرهاب، وأعلنت الحرب عليه، لكن استئصاله عسكرياً لن ينهيه كتشوه ثقافي سيبقي الحرب جمراً تحت الرماد، لعل المقاومة وما تمثل من بوصلة تذكر بفلسطين لا تزال الوصفة الوحيدة لإعادة تكوين هوية وطنية لكل بلد عربي تائه في بحر دمائه، بقوة التنازعات الوهمية بين الطوائف والأعراق والعصبيات، كما لا تزال فلسطين تصلح وحدها لتظهير موقف وكيان عربيين، وتبرير بناء جيش عربي موحد.

الدولة الوطنية المدنية ليست مجرد وصفة للمواطنة، ومكافحة الفساد، وبناء المؤسسات والسلم الأهلي، بل هوية تقدر وحدها، أن تشكل مساراً عكسياً لما اختاره اللبنانيون عشية الحرب، بالنيابة عن العرب جميعهم، بصفتهم العرب القادرين على الاختيار، وها هو الخيار يأكل اللبنانيين ويأكل العرب، فهل يجرؤ اللبنانيون اليوم، وكما اختاروا المرض عشية الحرب لهم وللعرب، أن يختاروا بالأصالة عن أنفسهم وبالنيابة عن كل العرب، الترياق الذي يشفي من السم ولا يداريه أو يجاريه، فيعلنوا الجمع بين ثقافة الدولة المدنية وثقافة المقاومة والاستقلال؟

(البناء)