Get Adobe Flash player

الثابت الرئيسي الذي لا يجب أن يكون موضع نقاش في مقاربة العلاقات الأميركية الإسرائيلية مع الرئيس الأميركي الجديد جو بايدن، هو الالتزام العقائدي لبايدن باعتبار المشروع الصهيوني مشروعاً أميركياً استراتيجياً، وهو صاحب هذا الوصف بالجواب عن تساؤل، ماذا لو لم تكن «إسرائيل» موجودة، وكم كان علينا أن نرصد من المال والرجال في هذه المنطقة الحساسة، ولو لم تكن «إسرائيل» موجودة لكان على أميركا أن توجدها، لكن هذا الثابت لا يعني التسليم بانتقال صناعة القرار الأميركي في المنطقة إلى تل أبيب، ولا حتى التسليم برسم حدود دور تل أبيب في الاستراتيجية الأميركية، أو التسليم بتحديد تل أبيب لكيفية ترجمة التمسّك الأميركيّ بحمايتها.

Read more: بايدن و«إسرائيل»: ضربة عالحافر وضربة عالمسمار: ناصر قنديل

يستسهل بعض الإعلاميّين والسياسيين الرد على النرجسية اللبنانية السائدة عند بعض آخر يربط كل شؤون لبنان الداخلية بمستقبل السياسة الأميركيّة، خصوصاً بعد الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بالقول إن لبنان ليس أولوية أميركية، وصولاً للقول إن الرئيس الأميركي جو بايدن عندما يذكر أمامه لبنان سيطلب الخريطة للتعرف على مكانه عليها، وكل من الموقفين يعبر عن مبالغة في غير مكانها، فبايدن يعرف لبنان جيداً ويتذكّره جيداً، على الأقل منذ تفجير مقر المارينز عام 83 وإسقاط اتفاق 17 أيار، ويتذكر أكثر من الصور التي حملها من زيارته للبنان، أن هذا البلد أذلّ وهزم الحليف الاستراتيجي لواشنطن الذي يمثله كيان الاحتلال، والذي قال عنه بايدن إن يجب على اميركا أن تخلقه لو لم يكن موجوداً، ويعلم جيداً كم بذلت الإدارات التي سبقت إدارته من مال وجهود لإضعاف عنصر القوة الحاسم الذي تمثله المقاومة في لبنان بوجه هذا الكيان، وهذا يضع لبنان ومقاومته حكماً في أولويات بايدن الشرق أوسطية. من هذه الزاوية التي ترتبط بالصورة الإجمالية للمشهد الإقليمي، من دون أن يعني ذلك أن التفاصيل اللبنانية البعيدة عن هذا العنصر، بين الأولويات أو موضع اهتمام يُذكر.

Read more: بايدن ولبنان.. وسورية: ناصر قنديل

ينقسم المتابعون للحدث الأميركي المتمثل برحيل الرئيس السابق دونالد ترامب وبدء ولاية الرئيس جو بادين، بين مرجعيتين فكريتين سياسيتين، واحدة مساندة لمحور المقاومة وأخرى مساندة لمحور ثنائي حكومات الخليج وكيان الاحتلال. وفي الفريق الأول تياران، واحد يقارب الموضوع من خلفية مبدئية غير سياسية، وغير مطروحة للنقاش، وعنوانها أن الإدارتين وجهان لعملة واحدة، ورغم صحة العنوان إلا أنه غير سياسيّ وغير كافٍ لمن يريد فهم الأمور في السياسة. فإدارة أوباما وإدارة ترامب ينطبق عليهما الوصف ذاته، لكن واحدة منهما أبرمت الاتفاق النوويّ والثانية ألغته، وقد تصرفتا بالعكس في ملف سورية. فواحدة جرّدت الاساطيل لشنّ حرب، وهي إدارة اوباما، والثانية اكتفت بعمليات حفظ ماء الوجه، رغم أنها ختمت ايامها بقانون قيصر للعقوبات، أما التيار الثاني في هذه المجموعة، فيُخشى اتهامه بالرهان على بايدن وإظهار ذلك كضعف لمحور المقاومة وتصويره ساعياً لتقديم أوراق اعتماده لدى إدارة بايدن بحثاً عن مخارج من نظام الحصار والعقوبات، فيقدم في السياسة ما يقول إن ادارة بايدن لن تغير شيئاً عن إدارة ترامب في مقاربة ملفات المنطقة. اما في الضفة المقابلة فتياران أيضاً، الأول يريد الترويج لقراءات وتحليلات عن ثبات بايدن على خيارات ترامب، وإقفال الباب أمام فرضيات أي تغيير، وكل ذلك ضمن مستلزمات حرب إعلامية ونفسية لحماية معنويات جمهورها القلق من حدوث هذه التغييرات، وتيار ثانٍ يريد خلق مناخ إعلامي وسياسي يقدم مواقفه برفض الاتفاق النووي ودعوته للتصعيد يوجه محور المقاومة بصفتها تعبيراً عن حلف يجمعه مع الإدارة الأميركية الجديدة لإحاطة هذه الإدارة بمناخ إعلامي يعقد عليها مهمة التغيير. وبحصيلة هذا المشهد يقفل باب السياسة، ويردّد الجميع مقولة واحدة، لا شيء سيتغيّر. والمصيبة انه عندما يتغير شيء يخرج هؤلاء جميعاً ويقولون، لقد كنا أول من توقع حدوث التغيير.

Read more: بايدن وترامب وجهان لعملة واحدة: كلام غير كافٍ وغير سياسيّ: ناصر قنديل

إذا كان جو بايدن قد رفض الموافقة على حرب الخليج الأولى في زمن انهيار الاتحاد السوفياتيّ وذروة الشعور الأميركي بالقوة في عهد الرئيس جورج بوش الأب، ورفض الموافقة على حرب الخليج الثانية في ذروة الاندفاعة الأميركية في الشرق الأوسط مع حروب جورج بوش الإبن، بمثل ما عارض التدخل في ليبيا في ذروة المناخ الذي وضع التدخل في دائرة الدفاع عن حقوق الإنسان الذي أثاره الربيع العربي والتغطية التي وفرتها الجامعة العربية، فمن الطبيعي عدم توقع أن يتبنى بايدن لغة الحرب، في ظروف التراجع والضعف والانقسام والعزلة التي تحكم الحركة الأميركية، إلا بتوافر شروط مشابهة لحرب البلقان التي انتهت بزوال يوغوسلافيا الموحّدة عن الخريطة الأوروبية، والتي كانت الحرب الوحيدة التي أيّدها بايدن. وهذا الفارق بين بايدن وسواه لا يجوز أن تتم مقاربته من خلال اعتبار رؤساء الحرب أسوأ، ورؤساء المنهج الدبلوماسي أقل سوءاً، بل من خلال تفاوت المدارس الأميركية في مقاربة كيفية الفوز بمشروع الهيمنة، وهنا يستطيع بايدن الادعاء انه الأكثر من زملائه في الرئاسة، جمهوريين وديمقراطيين، خبرة في السياسة الخارجية وحدود القوة المنفردة في صناعتها، وفعالية الدبلوماسية في تحقيق الأفضل منها بأقل الخسائر والأكلاف، خصوصاً أن الفشل كان رفيقاً ملازماً لمنهج الحروب.

Read more: ملامح السياسة الخارجيّة 
لإدارة بايدن: ناصر قنديل

تباينت آراء علماء الاجتماع الأوروبيّين والعرب في تحديد جذور النظريّات التي صاغها العلامة التاريخي ابن خلدون حول علم الاجتماع السياسيّ، في تعامله مع ظواهر نهوض الدول وتفككها وأفولها، لكن قراءة نصوص ابن خلدون في الزمن الأميركي الحالي سيجعل القارئ يعتقد أنه كتب نصوصه لتفسير ما يجري اليوم في أميركا، حيث العقل نسبة التطابق في رسم الظواهر التي يشير اليها ابن خلدون عن حدود، ليبدو بعضها أقرب للنبوءة.

Read more: ابن خلدون والإمبراطوريّة الأميركيّة: ناصر قنديل