Get Adobe Flash player

الغموض والتلعثم والمراوغة والصفقات في الغرف السوداء هي عناوين المشهد الإقليمي والمشاهد المحلية في الكثير من البلاد العربية. هذا هو حال العلاقة السعودية الأميركية والعلاقة السعودية التركية، والعلاقة الأميركية التركية، بخلفية قضية جمال الخاشقجي وبدونها، بخلفية الإفراج عن قسٍّ أميركي محتجز وحديث عن استقلال القضاء وبدونها، بما يدور في العلن والسر عن إخراج ملفق للتستر على جرائم بائنة لقاء صفقات سياسية ومالية، أو في المطالبات المتكررة والمهينة التي يطلقها الرئيس الأميركي بلغة التهديد لحكام الخليج بعبارات «ادفعوا وإلا..». فالحديث عن حقوق الإنسان كذبة وعن ثورات هنا وهناك كذبة وعن حرب على الإرهاب كذبة كبرى، بل صار الحديث عن مفهوم الأمن القومي للدول من أميركا إلى تركيا والسعودية، وصولاً لحكومة الاحتلال مطاطاً يتسع ويضيق بقدر اتساع وضيق شهوات التوسع وعجز المقدرات، وصعوبة المعادلات وموازين الردع

Read more: في سورية وحدَها الحقائق ناصعة: ناصر قنديل

في المقالة المنشورة في جريدة النيويورك تايمز عن العلاقات مع السعودية يبدو مصير جمال الخاشقجي تفصيلاً صغيراً، حيث الكلام من عيار الدعوة لعزل ولي العهد محمد بن سلمان ووصفه بالمجنون وشنّ حملة عنيفة على ما وصفته بأكاذيب الإصلاح ومكافحة الفساد وادعاءات حماية الحريات، مشيرة إلى تورط الرئيس الأميركي دونالد ترامب وعائلته بفساد بن سلمان، بينما الكلام الصادر عن مصدر سعودي مسؤول وما تبعه من شروحات الصحافي تركي الدخيل، يقول إن إبن سلمان هو المصدر المسؤول وهو المصادر القريبة من صنع القرار التي أشار إليها الدخيل، ومن عيار كلام الدخيل بالردّ على التهديد بما هو أشد منه، يبدو أن التلويح بعقوبات أميركية على السعودية يؤخذ على محمل الجد من قبل إبن سلمان، ويبدو الرد انقلاباً في المعادلات الإقليمية والدولية، وموقع السعودية فيها، تحالفات وخصومات، عدا عن التلويح بتفجير أزمة نفط عالمية

Read more: فلتفعلها السعودية وستصبح محجّة سياسية عالمية: ناصر قنديل

لم يغِب التنافس السعودي التركي على مكانة الزعامة الإسلامية طيلة السنوات الثماني العجاف للربيع العربي الذي تقاسمت قيادته الدولتان، وتناوبتا عليها. ففي الربع الأول تقدّمت تركيا على السعودية عندما كانت قطر وقناة الجزيرة تصنعان «الثورات» وتشكلان الحكومات في مصر وتونس، وتقودان الحرب على سورية، وكانت العثمانية الجديدة مشروعاً تراهن عليه واشنطن للإمساك بآسيا بمثل رهانها على الاتحاد الأوروبي لوراثة دول أوروبا في الاتحاد السوفياتي السابق. وفي الربع الثاني تقدمت السعودية بسقوط مشروع الأخونة في مصر وتونس، وعودة النظام السابق بحلة جديدة بدعم سعودي معلن، وبالانتقال إلى الرهان على تنظيم القاعدة بتمويل سعودي ورعاية سعودية للفوز بالحرب على سورية. وفي الربع الثالث خسرت السعودية وتركيا معاً رهان الشراكة في التفاهم النووي مع إيران، كما خسرتا رهاناتهما المتعاكسة والمتشاركة في الحرب على سورية، عبر تنظيم داعش. ويقارب الربع الرابع على النهاية، بعد تقدّم بالنقاط حققه ولي العهد السعودي بعدما وضع كل البيض والمال السعوديين في سلة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وبدا أنه يتوّج ولياً على العالم الإسلامي، وبدت تركيا في موقع التراجع المالي والسياسي والعسكري

Read more: أردوغان يربح حرب الزعامة على بن سلمان: ناصر قنديل

في الوقت الذي تسجل تركيا تقدماً واضحاً بالنقاط على السعودية كمرشحين متنافسين للجلوس مقابل إيران في أي صيغة نظام إقليمي جديد، لا يمكن إخفاء حقيقة نقاط القوة التركية المتأتية من التموضع في منطقة الوسط بين واشنطن وموسكو، كراعيين للنظام الإقليمي الجديد الذي صارت إدارة موسكو له موضع تسليم أميركي. وتبدو تركيا مرشح روسيا المقبول أميركياً، مقابل السعودية التي تدعمها «إسرائيل» بعد التحالف المعلن بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو ورعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب وصهره جارد كوشنر عبر ما سُمّي بصفقة القرن، كإطار لحل القضية الفلسطينية وإعلان تحالف عربي إسرائيلي بوجه إيران. ويبدو التراجع الذي تسجله السعودية ترجمة لفشلها في تسويق صفقة القرن وتحويلها إلى صفقة فعلية تفتح مساراً جديداً في توازنات المنطقة، وتدفع السعودية ثمن هذا الفشل إلى جانب فشلها في الفوز في حرب اليمن، بحيث بدت التداعيات الناتجة عن قضية جمال الخاشقجي أقرب للسياق المطلوب لتثبيت التراجع السعودي، كما كان غزو العراق للكويت مطلع التسعينيات أقرب للسيناريو المرسوم لإسقاط النظام العراقي

Read more: هل تأقلمت واشنطن مع رسالة الـ«أس 300»؟: ناصر قنديل

 

 

يتساءل الكثيرون من موقع سعيهم لتبرئة السعودية من جريمة إخفاء، والأرجح قتل جمال الخاشقجي، وهل يعقل أن ترتكب السعودية هذه الحماقة، وهي قد تجلب عليهم انقلاباً في الوضع الدولي بدأت بشائره بالظهور؟ لكن هؤلاء يظنون الحديث يجري عن قرار بحجم حرب أو اغتيال رئيس دولة أو زعيم كبير، تقيم الدول حسابات كثيرة قبل التورط فيه، لأن المخاطر والتبعات تكون قابلة للتوقع والحسابات، ورغم مثل هذه الفرص التي تتيحها قرارات الحرب ترتكب الدول خطأ الحساب، كما هو حال الحرب الأميركية على العراق في آذار 2003 والحرب الإسرائيلية على لبنان والمقاومة في تموز 2006، حيث قالت الوقائع اللاحقة إنها حروب خاسرة وفاشلة، وفوق ذلك تمّ خوضها بلا استراتيجية للخروج، وقد تم خوضها بسقوف عالية، لكنها خلاصات ما بعد الفشل، فكيف بما هو أقل بكثير من الحروب، ويتّصل بشخصية يظنّ المعني بالتخلص منها أن حجمها أقل بكثير من أن يثير زوبعة بوجه دولة تتمتع بأفضل العلاقات مع القوة العظمى التي تمثلها أميركا وتحظى بتغطيتها؟

Read more: تحدث دائماً... الغلطة القاتلة: الخاشقجي: ناصر قنديل