Get Adobe Flash player

ستكشف الأيام أن أشد قرارات إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب غباءً وأكثرها تعبيراً عن الجهل والأمية السياسية هو قرار تبني حل للقضية الفلسطينية يلبي المطالب الإسرائيلية بالكامل ويتجاهل الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية بالعودة والقدس وتقرير المصير، مستنداً إلى الاطمئنان لوجود الحكومات العربيّة في قبضته، ومتوهّما أن مقايضة القضية الفلسطينية بالمال أمر ممكن أن يكتب له النجاح، وأن الكتلة العربية الرسمية لن تجرؤ على التمرد على قراره. وهنا من المفيد أن نستذكر كلاماً لوزيرة الخارجية ومستشارة الأمن القومي الأميركي سابقاً غونداليسا رايس في مقال لها في النيويورك تايمز أول أيلول 2000 بعد دخول ارئيل شارون إلى المسجد الأقصى، قالت فيه إن شارون أطاح عقوداً من النجاحات الأميركية بجعل القدس وفلسطين والعروبة من المفردات المنسيّة، وأعادها إلى الضوء مذكراً شعوب المنطقة بهويتهم الجامعة، محرجاً حكومات قطعت مع واشنطن أشواطاً في التعاون لتدمير هذه الهوية الجامعة.

Read more: مؤتمر المنامة ومأزق السياسات الأميركية!: ناصر قنديل

– لم يكن جدياً وصادقاً موضوعياً الحديث عن العد التنازلي لزعامة رجب أردوغان في تركيا بمثل ما هو اليوم. فتلك الزعامة التي قامت على أركان الوعد بالتنمية الاقتصادية والزعامة الإقليمية لتركيا، انطلقت من الفوز ببلدية اسطنبول قبل ربع قرن، واسطنبول هي البيئة التي حضنت رجب أردوغان الشخص والمشروع، وهي العاصمة الحقيقية اجتماعياً وسكانياً واقتصادياً وسياسياً في تركيا، والانتخابات التي ترنّح فيها أردوغان نيابياً ورئاسياً، لكنه فاز بها في النهاية في هذه المدينة الاستثنائية الأهمية، قرّر منح معركتها البلدية صفة الاستفتاء على زعامته وسياساته، عندما حوّل انتخابات بلديتها إلى ما هو أكثر من مجرد رمزيتها، نحو جعلها بالإعادة المفتعلة معركة الحسم السياسي لمستقبل تركيا، محولاً رئيس البلدية المنتخب من الحزب

Read more: العدّ التنازلي لربع قرن مع رجب أردوغان: ناصر قنديل

عندما كان كيان الاحتلال يستعد للانتخابات المبكرة ما بين نهاية العام الماضي وشهر نيسان هذا العام، كثرت التحليلات والتوقعات بحرب يشنها بنيامين نتنياهو على غزة، تسهيلاً لضمان الفوز بالانتخابات. وعندما لم تقع الحرب انتقلت التوقعات إلى ما بعد الانتخابات تسهيلاً لتشكيل الحكومة. وعندما فشل تشكيل الحكومة ولم تقع الحرب بقي البعض يتحدث عن حرب مقبلة، لكن بين هذه التواريخ والاستحقاقات حدث أن صاروخاً انطلق من غزة وسقط قرب تل أبيب، وكان مبرراً كافياً لخوض الحرب الموعودة لنتنياهو، وتكرّر الحادث مرة ثانية، وكان مبرراً للحرب الموعودة، لكن نتنياهو لم يخض الحرب، وفي المرتين وقف يقول، إنه يقبل التفسير الذي نقله المصريون عن كون عوامل الطقس تقف وراء انطلاق الصواريخ مرة، وأن خطأ بشرياً تسبب بإطلاق الصاروخ مرة ثانية، لكن الصواريخ حملت الرسالة، أن لدى المقاومة في غزة صواريخ تصل إلى تل أبيب، وأن أي حرب مقبلة ستكون قواعد الاشتباك فيها، غزة مقابل تل أبيب

Read more: صاروخ تل أبيب وطائرة هرمز: ناصر قنديل

بينما كانت مصادر موثوقة في طهران تؤكد أنّ قيادة الحرس الثوري الإيراني، أنهت نهارها الطويل بعد إسقاط طائرة التجسّس العملاقة الأميركية، بتصويب منصاتها الصاروخية على كلّ النقاط والمعدات والقواعد الأميركية في الخليج، وابلغت كلّ الذين يتحدّثون عادة بحمل الرسائل بين طهران وواشنطن، أنها ستتعامل مع كلّ استهداف لأيّ نقطة إيرانية بصفته إعلان حرب، كان النقاش الدائر في واشنطن حول كيفية تفادي التورّط في الحرب، والنقاش الدائر في البيت الأبيض حول فرصة لحفظ ماء الوجه، بينما كان قادة الحزب الديمقراطي الأميركي يعيدون الاتفاق على الملف النووي الإيراني الذي وقع عليه الرئيس السابق باراك أوباما، إلى صدارة النقاش، تحت عنوان أنّ الانسحاب من الاتفاق كان خطأ جسيماً وأنّ من فعل ذلك أوصل أميركا إلى مأزق وأذلّ هيبة جيشها، ومنح إيران فرصة الظهور بموقع المتفوق وصاحب الكلمة الفصل.

Read more: لحظة المواجهة  أعادت الاتفاق النووي إلى الواجهة  ناصر قنديل

إذا كان قرار كل من واشنطن وطهران هو تفادي المواجهة العسكرية المكلفة والتي تفرض سياقاً لا يرغب به أحد منهما، ومقابله العجز عن التراجع لدى كل من الفريقين عن مواقفه وبلوغهما مرحلة الانسداد السياسي، فهذا يعني أننا في مرحلة تصعيد للتوتر لا يمكن فهمها إلا بالرهان المتبادل عند كل من الفريقين بقدرته على خوض ما يعرف سياسياً وعسكرياً باستراتيجية اللعب على حافة الهاوية. وهي الاستراتيجية التي وصف بها وزير الخارجية الأميركية الأسبق هنري كيسينجر الأسلوب التفاوضي للرئيس السوري الراحل حافظ الأسد خلال مفاوضات فك الاشتباك في الجولان عام 1974، وملخص ما قدّمه كيسنجر من توصيف لهذه الاستراتيجية أنها تقوم على الذهاب في التصلب عند الهدف المرسوم للتفاوض إلى طريق اللاعودة، والاستعداد لتقبل فشل التفاوض والذهاب إلى المجهول، في ظل وضوح النتائج المدمّرة لأي مواجهة، ويلزم خصمه المفاوض على الاختيار بين السقوط معه إلى الهاوية أو تقبل التراجع عن حافتها

Read more: مَنْ يقدر على اللعب على حافة الهاوية؟: ناصر قنديل