Get Adobe Flash player

أما وقد حسم الأمر فقد صار وقت التقييم واستخلاص العبر، فلا ينكرنّ أحد أن الرهانات على تعثّر الدولة السورية توزعت على مشارق الأرض ومغاربها، وأنه حيث لا رهانات كانت هناك تساؤلات وانتظارات. فالكل يُجمع على أن إدلب ليست كسواها، وان تجمع عشرات آلاف المسلحين الذين رفضوا التسويات في مناطقهم التي تحرّرت، يجعل الحرب لتحريرها شديدة الضراوة والقسوة محفوفة بالمخاطر والتضحيات والتساؤلات، وأن وجود آلاف الإرهابيين المقطوعي الجذور اليائسين من أي أفق بعد إدلب يمنح كل هذا المشهد القاتم مزيداً من السواد، وأن الحلف المناوئ للدولة السورية مهما ابتعد أو اقترب عن التشكيلات الإرهابية التي تقاتل في إدلب قد اجتاز الخط الأحمر للتعاون معها سابقاً وما عادت لديه مشكلة بإمدادها بكل أسباب الصمود، وأن تركيا التي لانت وتموضعت بعد معارك حلب إنما فعلت ذلك ليس فقط لأنها حسمت أمرها بالعجز عن المضي في المواجهة الكاملة، بل لأنها أرادت الحفاظ على دورها وحضورها في إدلب، وعندما يصبح مصير إدلب في الميزان يجب التريث في إصدار الأحكام حول كيفية تصرف أنقرة، ولا أيضاً في كيفية تصرف موسكو الحريصة على علاقة مميّزة مع أنقرة تبدّلت بين التصادم والتفاهم، واستقرت على سياق إيجابي رغم الخلاف لزمن غير قصير، لذلك كان الانتظار سيد الموقف.

Read more: أهمّ دروس تحرير خان شيخون: ناصر قنديل

يشكّك البعض في خلفيات الذين يدافعون عن سلاح المقاومة ويتمسّكون بما هو أكثر من بقائه، فيستنكرون مجرد وضعه في التداول ويستغربون أن يصدر ذلك عن أي وطني عاقل، لا تحرّكه حسابات خارجية لا علاقة لها بالمصالح الوطنية اللبنانية. ويحاول هذا البعض تشويه خلفية الموقف المتمسك بالسلاح والداعي لسحب الجدل حوله من التداول، لأنه تداول لن يكون بمنأى من الاستغلال الإسرائيلي، فيصوّرون الخلفية ذات صلة بمحاور إقليمية أو ترجيح موازين قوى محلية، بعكس ما تقول تجربة سلاح المقاومة على الأقل منذ أن اكتشف خصومه أنه أهم بكثير مما كانوا يتخيّلون، عندما كانوا يشككون بفاعليته في إجبار إسرائيل على الانسحاب من الجنوب اللبناني بعدما سقطت وصفاتهم البديلة و الجميلة تباعاً بضربات المكر الدولي والحماية المفتوحة الممنوحة لـ إسرائيل ، كما فاعليته في ردع إسرائيل عن العدوان وتوفير الحماية للبنان.

Read more: خمسة عناوين من دون اجتماعها... البحث في السلاح معصية: ناصر قنديل

منذ العام 2005 وبعده العام 2006 ترسّخت قواعد ثابتة للعلاقة بين حزب الله وكل من التيار الوطني الحر وحركة أمل، رغم كون العلاقة التي تربط الحزب بالفريقين عرفت قبل هذا التاريخ مراحل اتسمت بالتجاذب والتصادم مع الحركة تلاهما غموض وسعي لوضع أسس للتمايز حتى عام 1996 عملياً، ليحل مكانها تنظيم خلاف فاتفاق فتفاهم فتحالف فتلاحم وضعت قواعده عام 2005 وترسخ وتعمد في حرب تموز 2006، أما بالنسبة لعلاقة الحزب بالتيار فقد كانت خلافاً سياسياً حول الوجود والدور السوريين في لبنان لكن مع وجود احترام متبادل، من قبل التيار لتضحيات الحزب في المقاومة وابتعاده عن لعبة المحاصصة في السلطة، ومن قبل الحزب لنظافة التيار وصدقيته رغم عمق الخلاف، ليبدأ الحوار ويصير تفاهماً في شباط 2006 ويتعمّد في حرب تموز ويتأسس عليه خطاب مشترك في المعارضة وصولاً لمؤتمر الدوحة ويترسخ بعدها في دعم التيار لمشاركة الحزب في الحرب على الإرهاب في سورية وصولاً للاستحقاق الرئاسي والموقف الثابت للحزب بدعم ترشيح العماد ميشال عون للرئاسة.

Read more: تحالف «الحزب» مع التيار والحركة لا ينفكّ... ولكن؟: ناصر قنديل

مناخان يتقاسمان المشهد السياسي والإعلامي في لبنان، دون رابط ظاهر بينهما، المناخ الأول هو استفاقة غير مفسّرة لدعوات متقابلة ومتباينة تحت عنوان حقوق الطوائف، وعلى خلفية كل دعوة مباشرة أو غير مباشرة استنهاض لعصبيات الطوائف وشحذ لاستنفارها تحت شعار الهواجس الوجودية. ومن لا يشترك في هذه المعزوفة حرصاً على تحالفاته السياسية في الطوائف الأخرى يؤلف نسخته الخاصة لملاقاتها، كما فعلت القوات اللبنانية عبر وزارة العمل بفتح ملف متفجّر ونموذجي للعب على أوتار العصبيات يتصل بتنظيم العمالة الفلسطينية في لبنان، طالما أن العزف مع التيار الوطني الحر على وتر وظائف دون الفئة الأولى والمناصفة الشاملة يصغر القوات ، ويربك علاقاتها بقيادات إسلامية تلاقيها في الخيارات الكبرى، ومن لا يستقطبه مسيحياً خطاب التيار يستقطبه خطاب القوات. وبالتوازي يقفز حديث عن هاجس إسلامي عنوانه صلاحيات رئيس الحكومة وتنشأ له مؤسسة مستحدثة تنطلق من الرياض بصفة رسمية باستقبال أركانها معاً من الملك سلمان بن عبد العزيز، وتذييل اللقاء بتصريحات تتحدث عن التمسك بالصلاحيات.

Read more: ما هو القاسم المشترك بين المناخين؟: ناصر قنديل

بالرغم من كل المناخ المحيط بمواقف رئيس التيار الوطني الحر حول نيات مضمرة للخروج عن اتفاق الطائف باتجاه استعادة صيغة تحاكي ما قبل الطائف سواء في الحفاظ على النظام الطائفي أو في توزيع الصلاحيات في السلطة الإجرائية بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، فإن رئيس الجمهورية لا ينفك عن وضع مواقفه تحت سقف الدستور الذي ولد من اتفاق الطائف. وقد جاء مثال مخاطبته للمجلس النيابي طلباً لتفسير المادة 95 من الدستور التي تنظم الوظيفة العامة وحدود التنظيم الطائفي لها، خير مصداق للكلام الرئاسي، ولا يمكن تخيل تحرك متناقض لكل من رئيس الجمهورية ورئيس التيار، ورئيس الجمهورية بمثابة الأب الروحي للتيار وزعيمه الشعبي التاريخي.

Read more: مسؤولية تشكيل الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية: ناصر قنديل