IMG-20150328-WA0000

فاطمة طفيلي

رغم الظروف الصعبة وشحّ الإمكانات وقلة الموازنات المرصودة للأنشطة الفنية والثقافية عموما والمسرحية منها على وجه الخصوص، يكافح مهرجان المسرح المدرسي في دورته الحادية عشرة برعاية وزارة الثقافة للاستمرار، متمسكا ببقعة ضوء متواضعة يطمح مايسترو المهرجان وعرابه المخرج التلفزيوني علي فرحات لتحويلها إلى شعلة أمل تغمر ببريقها المناطق اللبنانية كافة، فتنير القلوب وتنتصر على العتمة، مدادها الثقافة والتعبير وأعمدتها مواهب واعدة تتنظر الاحتضان والمساعدة، علّها تتمكن من رسم معالم وطن يحاكي بلغته المختلفة عن السائد طموحاتها، ويرضي توقها للانعتاق من ضغوط الحاضر والقلق على المستقبل.

عشرات المؤسسات التربوية الرسمية والخاصة ومن جهات لبنان الأربع عقدت العزم على المشاركة إيمانا منها بأهمية المسرح ودوره في تنشئة الأجيال الصاعدة وتثقيفها، فانتصرت على العقبات، ومن بينها مشقة الانتقال من مسافات بعيدة، من عكار والبقاع والجبل والجنوب إلى بيروت، فكان قصر الأونيسكو المكان الأمثل للتلاقي، والتعرّف على الآخر في فرصة جامعة قد تكون يتمية في زمن الفرقة والانقسام.

شباب وشابات، فتية وأطفال شاركوا في العروض المسرحية، ولم يقتصر حضورهم على الأداء بل تخطاه إلى المشاركة باختيار المواضيع وطرح الأفكار، وأحيانا كتابتها، ومن ثم أداء الأدوار على الخشبة برهبة مزجت بين فرح الإطلالة الأولى لبعضهم، ومسؤولية الأقدمية لمن فرضت مواهبهم الفنية الواعدة حتمية استمرار الحضور، وبينهم من لامس حد الاحتراف باعتراف القيمين على المهرجان ولجنة التحكيم، فتميز وأبهر، وترك أسئلة وعلامات استفهام عما سيكون.

كما يُسجل للمهرجان المساحة الدائمة، التي يمنحها لأصحاب الاحتياجات الخاصة من الصم والبكم والمكفوفين، الذين لا يقلون موهبة وقدرة على العطاء والإبداع في تقديم العروض وإيصال الأفكار الخلاقة، تمثيلا ورقصا وغناء، ينتصرون على إعاقاتهم، بفيض من الأحاسيس والمشاعر الأبلغ من أي كلام، تنقلنا أصواتهم، حركاتهم وإيماءاتهم الذكية بمنتهى السلاسة والفرح إلى عوالمهم الخاصة مبهورين آسفين لقصورنا عن تقدير طاقاتهم وإمكاناتهم، مقتنعين بعجزنا نحن في العامل معهم.

أيام المهرجان التي لا تتجاوز الأسبوع تتحوّل معها كواليس قصر الأونيسكو ومسرحه إلى ورشة عمل، يتنافس فيها الجميع ويتبارون في تقديم الأفضل والفوز بفرصة العرض في الحفل الختامي، وكسب جائزة تقديرية تعني لهم الكثير، على بساطتها، التي لم تعرف بعد طريقا إلى مغادرة خانة الرمزية في تقدير المواهب.

سنوات مهرجان المسرح المدرسي الأحد عشر، وبعده على مسافة أيام مهرجان المسرح الجامعي، يحتمّان التفكير الجدي من وزارة الثقافة ومعها وزارة التربية بتبني هذه المبادرة وتحويلها إلى مناسبة للتنمية الفكرية والثقافية للطلاب وللعملية التعليمية برمتها.

يجب تثبيت مادة المسرح في المناهج التعليمية لجميع المراحل، وإعداد هذه المادة وفق مخطط منهجي لتدريسها، بحيث لا تبقى حصص المسرح مساحة هامشية تُعامل على أنها فترة للترفيه والتسلية خلال الدوام المدرسي.

المطلوب تحويل المسرح المدرسي إلى مؤسسة دائمة ترعاها مديرية متخصصة في وزارة التربية، تعمل بالتعاون مع وزارة الثقافة ومعهد الفنون في الجامعة اللبنانية ونقابات الفنانين اللبنانيين، بحيث يُتاح إنشاء مسرح تجريبي دائم في الثانويات الرسمية والخاصة لبلورة المواهب وصقلها وصولا إلى التنظيم الدائم والمستمر للمهرجانات المسرحية المدرسية في الأقضية والمحافظات وتتويجها بمهرجان اليونيسكو الذي يجب ان يحظى بالرعاية التي يستحقها.

تعميم الثقافة المسرحية وتنمية المواهب المدرسية هو عمل تنويري نهضوي وحاجة ماسة للمجتمع اللبناني في الزمن الحاضر، لأنه الطريق الامثل لتكوين وعي وطني واجتماعي لدى الأجيال الشابة، يحصنها من تغلغل ثقافة الإلغاء والتوحش والعصبيات التي تجتاح المنطقة، ويضع شبابنا على الطريق السوي لبناء مستقبل أفضل أساسه التفاعل والابداع الثقافي والفني والتنافس الحضاري.