TheAlphabetday2 441654 large

فاطمة طفيلي

أحيا لبنان في الحادي عشر من آذار "عيد الأبجدية"، بطرق مختلفة، احتفالات وبيانات ذكّرت جميعها بأن العيد حق للبنان وأهله، فهذا اللبنان هو أول من أوجد الحرف، بعدما شكل اختراع أجداده الفينيقيين للأبجدية مفصلا حاسما في تطور الثقافات في العالم، بمنحهم الوسيلة الأساس في التعبير والتفاهم والتواصل، وبالتالي التحاور في ما بينهم.

بمعزل عن القيمة والدور والتاريخ، وما خطته صفحاته من مآثر للبنانيين في هذا المجال، تتزاحم الأسئلة الملحة بالمناسبة، بحثا عن إجابات وتعليل، لما آلت إليه أحوال الأوائل ممن اخترعوا الحرف، وعما بقي من حروف الأبجدية وأصولها، على الأقل على مستوى اللغة المتبادلة في ما بينهم؟. وهل ما زالت حروف الأبجدية مقروءة ومفهومة بذات السوية من كل اللبنانيين، كأساس للمشترك الجامع بينهم، أم أن الأمور لم تعد تتعدى المناسبة بذاتها، مع ما تستدعيه من حفلات الزجل المغرق في الوقوف على أطلال أمجاد غابرة، وأمسيات الأشعار الضاربة في التغنّي بما سلف وكان؟.

اللغة اليوم، كما تظهر في مشهدنا الإعلامي هي لغة هجينة رديئة، تذكّرنا بعصور الانحطاط، وما حفلت به من صنوف الغثّ الرخيص وعلى كل المستويات، أهونها الأبجدية وما لحق بها. فلكل فئة معاجمها وقواميسها الخاصة، تتعصب لها وتناضل لإثبات أهليتها وجدواها، لتنعدم وسائل التواصل والتفاهم، وليغني كل على ليلاه، والكل على حق وصواب.

والأخطر في كل ذلك انعدام لغة التواصل بين المواطن والمسؤول، الذي لم يعد مسؤولا إلا عما يلائم مصالحه ورؤاه، ولنا في ما يجري من استعراضات وجدالات ومناظرات سياسية على "المخمس مردود" المثال، فيما المواطن هو الخاسر الأكبر، يكافح للبقاء منهكا متعبا غير قادر على الإمساك ببصيص الأمل المتبقي، إن كان للتفاؤل بعد من بقية.

اللغة تمثل في حياة الشعوب ركيزة الهوية الوطنية والانتماء القومي، وإهمالها من قبل وسائل الإعلام واستباحتها ببربرية انفلاش اللهجات المحلية والتعابير الطائشة والتكسير المتمادي لقواعدها، هو عدوان مفتوح على الهوية، يكرسه اكتساح المفردات الأجنبية للتخاطب بين الناس الواقعين في قبضة استلاب الاستهلاك الغربي. ولم يكن ينقص تهتك لغتنا وثقافتنا في الإعلام إلا ما نشهده من هذه الملامح الفاضحة والمدمرة في مواقع التواصل الاجتماعي.

تكاد اللغة العربية تندثر بيننا، فهي متراجعة في مدارسنا وجامعاتنا كما في بيوتنا، وبذلك ننتج أبناء مخلوعين بلا هوية، يحلمون بالهجرة إلى دول يتقنون لغاتها أكثر من معرفتهم باللغة الأم، التي حملوها بجذورهم الجينية وسرقتهم منها طبائع استبداد الاستهلاك والتبعية، بعيدا عن القيم الوطنية، التي يمليها فعل الانتماء ووعي الهوية، التي تتحول مع الأجيال المخلّعة إلى ذكرى، بالكاد يستمر منها القليل من بصمات البيئة المتلاشية في عالم افتراضي.

الاحتفال باللغة هو حقيقة حياة يومية تشمل التعليم والتربية والإعلام والثقافة، وهنا يشترك الجميع في جرم تدمير الهوية واستباحتها وتحويلها أشلاء متناثرة.

من لغة الدراسة إلى لغة العيش في عائلاتنا إلى لغة وسائل الإعلام، يتبقّى لنا أشلاء لغة وثقافة ومجد غابر نتفاخر به بصورة فارغة بلا محتوى، فيما تدعونا الحقائق إلى ثورة ردّ اعتبار للهوية من بوابة اللغة العربية، التي تضمحل في شخصية صغارنا وناشئتنا الهجينة المستغربة والمقطوعة عن جذورها، وحيث يصبح بلا معنى كل الكلام عن قدموس، وعن دور لبنان الطليعي في عصر النهضة ومقاومة التتريك العثماني وحماية العروبة في الشرق، وتلك مفاهيم تُدرّس لأجيالنا في كتب التاريخ، لكنها منفصلة عن واقعنا المزري، الذاهب إلى أسوأ أنماط الانحطاط والتفلّت والتغريب الاستهلاكي، وهنا يكمن أحد أسرار تراجعنا وانحدارنا الحضاري. فالدّارس لتاريخ الشعوب والحضارات يفهم أن نهوض الأمم، قد انطلق بإحياء ثقافاتها ولغاتها، ونسج هوياتها في وجدان أبنائها ومواطنيها، إلى انفتاحها على العالم وحضاراته وثقافاته بنهم الاكتساب والمراكمة باللغة الأم، وليس بنهج التقليد والاستلاب حتى في وسائل التخاطب.