Get Adobe Flash player

1464374199

فاطمة طفيلي

"الرفيق أبو سلطان من الأردن" هو التعريف المبسّط الذي سمعته في لقائي الأول به مع مجموعة من رفاقه في رابطة الشغيلة. تهيبت الموقف للوهلة الأولى، وشعرت بأنني أمام موقف لا أحسد عليه، وأنا القادمة من مهنة التدريس، ولم أنهِ بعد دراستي الجامعية، الى آفاق جديدة في الإعلام والسياسة والعمل الثوري، وما بينها الكثير من عناوين الثقافة وفنونها والاجتماع وقضاياه الشائكة والاقتصاد وما يختزنه من أزمات وتعقيدات في بلد أسير أحداث داخلية وخارجية، وفي صدارتها الصراع المزمن مع العدو الإسرائيلي، فأنا ابنة الجنوب أرض المعاناة، التي شكلت الجزء الأكبر من طفولتي وشبابي بسبب الاعتداءات الإسرائيلية، وما تزال الذاكرة الى اليوم تختزن صورَ القصف العشوائي والقتلِ والتدمير والغاراتِ المدمرة، وحكايا المجازر التي كان لبلدتي نصيبٌ منها، وإن بقدر أقل من القرى الحدودية...

رأيتني في تلك اللحظة أمام نموذج مختلف لم أعهده من قبل، بين مهابة الموقف وصرامة القسمات، التي لا تخفي تواضع الرجل وأدبه، اقتصرت كلماتي على المعتاد المقتضب مما يقتضيه الموقف، فاخترت الاستماع للاستكشاف والمعرفة...

توالت الأيام، وفي كل يوم كنت أكتشف فيه المزيد من الخصال والمزايا، الى أن كان ارتباطي بالرفيق سامي، وبذلك دخلت الدائرة الأقرب الى العربي أبو سلطان فهو والرفيق سامي جابر - الاسم النضالي لزوجي غالب قنديل - قلما كانا يفترقان، من المتّة الصباحية، وما يرافقها من قراءة للصحف اليومية ومتابعة لجديد الأخبار، الى جولة التعليقات والتحليلات، التي لم تكن تخلو من نكهة خاصة، يضفيها التكامل العفوي بينهما في القراءة واستنباط الألقاب والأسماء الرمزية لبعض الساسة ومدّعي النضال، والتي باتت أشبه بشيفرة يتداولانها حرصا على خصوصية ما يدور فيها، الى ما بعد منتصف الليل، رفيقان في النضال والسمر وعلى المائدة وفي الحبكات الفريدة لسيناريوهات الأحدات والتطورات اليومية، وثالثهما الرفيق أبو حسين الذي تعرفت على اسمه بعد سنوات الأستاذ حميدي العبدالله.

لم تمنعه هموم الأمة ومتابعة الحركات النضالية في لبنان والعالم العربي والمشاركة في الاتصالات والاجتماعات والندوات الفكرية من السهر على أمن وراحة الرفاق والعاملين في المجلة والإذاعة ولاحقا التلفزيون، حاضرٌ بالفكرة والرأي في كل مجال، وبالطرفة حين يشتدّ الخناق وتتصاعد الأزمات، ولا ضير عنده من العمل ليل نهار للمساعدة وإنهاء المهمات أيا كانت. لم يكن أبو سلطان يغفو أو يرتاح وفي البال قلق على رفيق لم يعد من مهمة، أو آخر يحتاج الى مدّ يد العون.

لا تحتار معه كيف تطلب مساعدة فهو السبّاق دائما، يتفقد الجميع ويعرف بفراسته العربية متى يتدخل وكيف. وكم كان يسعده أن يشاركنا العمل حتى في المطبخ، ورغم أن المهمة كانت مداورة بيننا، كان العربي أبو سلطان يسبق الجميع الى المبادرة، وفي جعبته الكثيرُ من الوصفات، أطباقٌ أردنية كان يتقنها، فيتحول هو الى الطباخ ونحن المساعدات، وأذكر جيدا كيف كانت تلمتع عيناه فرحا بالإنجاز عندما نتسابق الى التهام ما يحضّر، والإطراء عليه.

العربي أبو سلطان، محمد الهباهبة كان أخا عزيزا، وصديقا صادقا لكل من عرفه، كان أبا لعائلتين، عائلته البيولوجية الصغيرة التي باعدت بينه وبينها الظروف والأحداث، وعائلته الثانية شريكته في العمل والنضال، فكان عندما يزور العائلة في دمشق يعود الى عائلته الثانية في بيروت وفي حقيبته بدلا من ثيابه وحاجاته - إذ كان زاهدا في هذا الجانب حد التقشف، يكفيه ما عليه من ملابس- أكياسا يوضِّبها بعناية لكل فرد منّا، كلٌ حسب حاجته، وفي طليعتها ما أمكن من أدوية للرفاق، مستفيدا من خبرة زوجته أم سلطان وعملها في مهنة التمريض، يضيفها الى ما يحفظ من وصفات الطب العربي. ورغم ضيق الحال على المقلبين في دمشق كما في بيروت، لم يعد يوما خالي الوفاض.

ولا أنسى تلك الأيام التي جمعتني به خلالها شراكةُ العمل الصحافي في جريدة الدنيا، التي صدرت يومية ظهرية لبضعة أشهر، كان يشاركنا العمل ليل نهار، في المكتب من الصباح الباكر حتى إنجاز العدد، وما بعد الظهر في البيت لغاية منتصف الليل. لم يكن يتعب أو يكل متابعا وكاتبا ومنقبا عن عناوين في الثقافة والأدب، يجمعها على شكل قصاصات يزودني بها لمساعدتي على إغناء زاويتي الثقافية، حتى أثناء انشغاله بتحضير مادته اليومية، يساعده في ذلك نهمه الدائم للقراءة والاطلاع، ومخزون لا ينضب من الثقافة والمعرفة.

العربي أبو سلطان نحيي ذكراه اليوم وهو ما غاب لحظة عن جلساتنا، نتذكر مقالبه الطريفة ولكل فردٍ منا نصيبه منها، نتذكّر رحلاتنا المشتركة في ربوع الطبيعة التي كان يعشق، ونكاته التي نادرا ما فرغت جعبته منها، وإن حصل فلا بأس من أن نكون وإياه مادتها، ولا ضير من تحويل واقعنا الصعب الى صور كاريكاتورية تخفف عنّا الوطأة، وتدفعنا في كثير من الأحيان الى ابتكار حلول ما كنا لنراها في ذروة انغماسنا فيه.

العربي أبو سلطان، نتذكّرك أنا والرفيقات بهية وهيفا وسلام وآمنة ومريم، ونتذكر تعليقاتك الممازحة ونحن عائدات من جولاتنا الدورية على الأحياء الشعبية، نلتقي أهلها ونستطلع أحوال الناس ومشاكلهم، وكيف كنّا نتسابق لإخبارك عمّا عدنا به، وما صادفنا من وقصص ومواقف.

تتذكّرك يارا البرعم الأول الذي تفتح في عائلتك الثانية بفرح، وتستعيد ذكرى قصص وروايات واكبتَ بها طفولتها، وتضحك كلارا الابنة الثانية في العائلة وهي تستعيد صور حلقات اللهو والمرح التي تشاركَتها مع يارا وكنت ثالثَهما، وأحيانا الرابع عندما تحضر الغالية ابنتك الجميلة أردن وتنضم اليهما.

نفتقدك بيننا اليوم كما تفتقدك الساحات مناضلا وثائرا لكرامة الإنسان العربي وعنفوانه، وقد عزّت العروبة وهانت على الكثيرين ممن كنت تحذّر من أمثالهم، تفتقدك فلسطين القضية التي من أجلها عملت بكل ما أوتيت من طاقة وقدرة، في زمن باتت فيه مناصرتُها تهمةً يُعاقَب عليها المناضلون ويُلاحق المقاومون ويُتّهمون.

أتذكّر اليوم فرحك ودموعك الرقيقة بعد كل انتصار للمقاومة، ومع كل عملية ناجحة في قلب فلسطين، واحتفالك العظيم بانتصارات المقاومين الكبرى... أتذكر كثيرا مما كنت تقول وتردد عن الارتزاق والمرتزقة....

أخالك اليوم تتقدم الصفوف لمقاتلة الإرهاب التكفيري، ولفضح الدواعش وداعميهم، ولكشف المستور عن الحكومات الشريكة في إفلات وحش الإرهاب، ورعايته، لتدمير هذا الشرق العربي وحبيبتِك سوريا، وما كنت ستنشد تحيةًً لحزب الله الطليعة القومية المقاتلة.

أتذكر دائما لمستك الإنسانية الرقيقة في حياتنا لسنوات، وهمّتك العالية ومبادراتك التي لم تنقطع، وسخريتك المرة التي كنت تشهرها بعفويتك الجميلة والمحببة... لن ترحل ولن تغيب عن ذاكرتنا شهامتُك واخلاقُك الرفيعة...

أيها العربي أبو سلطان لذكراك ألف تحية ودمعة ووردة، وكما كنت تقول وتعاهد: المسيرة مستمرة.