Get Adobe Flash player

zebalal

فاطمة طفيلي

       يضج لبنان بأخبار الفضائح، وتتكشّف يوما بعد يوم قصص الفساد ومآثر الفاسدين، الذين لم يعد لفسادهم حدود، في بلد يعبق بروائح العفن المزمن، والملوثات المنتشرة في كل أرجائه، وهو ما يزال يتعثر، وبعد أشهر من الدرس والتمحيص والجدل، بحل أزمة هي من بديهيات عمل المسؤولين في أي دولة نامية في أقاصي الأرض ومغاربها، حتى باتت أكوام النفايات عنوانا يتندر به القاصي والداني، ورغيف خبز نتجرّع معه السموم القاتلة، ونحن راضون بما قسموا وقدّروا، ليستمر السؤال عمّا بعد؟.

"ينقّ" اللبنانيون دون انقطاع، وكلهم عارف بمكامن العلل وأسباب التعقيدات المستعصية، التي تحوِّل يومياتهم الى جحيم مستمر، تتوالد فيه أزمات لا يعرفون لها نهاية في أفق يكاد يكون مسدودا، اللهم إلا عندما تنسجم الحلول مع مصالح من يديرون الدفة ويتحكمون بمصائر العباد، عندها فقط وبسحر ساحر تتفتق القرائح عما يُخيَّل إليهم أنه الخلاص الموعود، ليكتشفوا سريعا ودائما أنهم غارقون في دوامة المؤقت، الذي يعالج النتائج ويتغاضى عن الأسباب، وأن في الأفق المزيد...

تشتدّ المعاناة وتتشعّب الأزمات، ولا شيء سوى الغضب المكبوت، وصرخات الألم تحرق الحناجر، ولا تجد لها إلا رجع أصداء فارغة يلتهما الفراغ والخواء، وتبقى الأمور على ما هي عليه: أحلام معلقة، وآمال تصارع الواقع المرير وتقارب حدود اليأس القاتل، وما نزال نمنِّي الأنفس بالفرج الآتي من حيث لا ندري...

قمة التناقض في ما نعيش، نتغنى بلبنان بلد الإشعاع والنور ونكاد نغرق، ومنذ عقود في ظلام دامس، لا نجد لنا منه مخرجا!.

نفاخر بأبجدية صدرناها للعالم وسيلةً تفاعل وتقارب وتفاهم، ونقيم لها يوما يكرّس تلك المأثرة العظيمة، وترانا عاجزين عن استثمارها لغة تواصل وحوار ونطحن عظامها في إعلامنا وصحافتنا وفي حياتنا اليومية التي نعيشها بلغات اجنبية تستوطن تعبيراتنا المتداولة بصورة شوهاء وباغتراب أبله عن هويتنا الوطنية ثقافيا واجتماعيا.

ننظم القصائد والأشعار بما حبانا الله به من طبيعة غناء نقتلها كل يوم، ومياه عذبة دفّاقة، نتحسّر على قطرة منها تروي ظمأنا في زمن القحط والجفاف، وتربة خصبة لا نزال نزرعها أحقادا وكراهية وتناحرا وسموما ونتساءل عما تعطينا من غلال!.

نعلِّم أجيالنا الصاعدة ونؤهلهم للمستقبل مسلحين بالشهادات والاختصاصات الواعدة، فلا يجدون إلا الهجرة سبيلا للعمل، أو البطالة والخيبة حصادا لمن عقدوا العزم على البقاء!.

نفاخر بمبدعينا ونعقد بأسمائهم الندوات واللقاءات وحفلات التكريم، ونتركهم في أواخر أيامهم فرائس سهلة للعوز والمرض والموت قهرا على أعتاب المستشفيات عندما يتوقفون عن العطاء!.

وبعد...

كفانا عويلا وبكاء على الأطلال، وقد فشلنا في كل شؤوننا، نثور لفظيا على الواقع ولا نتحرك، وإن تحركنا اختلفنا وضللنا الطريق وضاعت منا الأهداف وصار حصادنا الذاتي منفردين أهم من عائدات الوطن ومن القضية التي نزعم التلاقي حولها ومن اجلها.

شبعنا ضجيجا ولغوا فارغا واستهلاكا للشعارات وإثارة ونظريات لا تسمن ولا تغني...

كفانا غرقا بفضائحنا وتنافسا على استعراض مآثر فسادنا وخيباتنا الطاغية، فمصائرنا جميعا على المحك. والصورة قاتمة لا تحجبها الألوان الزائفة والمظاهر الآنية الخادعة.

هي ساعة الحقيقة المؤلمة، نغيِّرها بالإرادة والعمل، كلٌ من موقعه، إما أن نبادر، وكلنا قادر ومسؤول، فننجح، أو نحجم، فنخسر أنفسنا والوطن، وفي ذلك الفضيحة الكبرى.