Get Adobe Flash player

nisa22

فاطمة طفيلي

تحتفل دول العالم بيوم المرأة العالمي كل عام، فتتوالى مهرجانات التكريم والإشادة بقدراتها ومكانتها ودورها الأساسي في البناء والتطور... مشهديات مكررة، ومكرَّمات لا يتغيرن رغم الجهود الواضحة في تغيير الشعارات والعناوين، حرصا على مواكبة الأحداث والتطورات الطاغية، وما يشهده العالم من أزمات ومشاكل تطال الجميع ولا تقتصر آثارها ومخاطرها على النساء فقط. ولكن ماذا يعني أن يكون للمرأة يوم يكرس اعتراف العالم أجمع بها شريكا فاعلا، وهل يترجم هذا الاعتراف على أرض الواقع لتكون الشراكة حقيقية بعيدا عن التمييز والاستغلال والمهانة، التي باتت العنوان الأبرز في التعامل مع المرأة، رغم بعض الاستثناءات المتمثلة بنساء رائدات فرضن مواقعهن واحترامهن في مجالات عدة وفي بلدان مختلفة، ومع ذلك بقيت نسبة هؤلاء متواضعة قياسا لما تختزنه النساء من طاقات يحجبها الحرمان والظلم والتمييز.

في عودة سريعة الى الأسباب التي من أحلها جرى تكريس هذا اليوم العالمي، نجد أن التحركات النسوية في ما يشبه الثورات على الواقع المرير، رفضا للظلم والاستغلال، كانت الدافع الأساسي للخطوة التي احتجات سنوات من النضال والمتابعة لتصبح أمرا واقعا، فرضن الاعتراف به وتكريسه رسميا في أكبر محفل عالمي وهو منظمة الأمم المتحدة.

في الولايات المتحدة الأميركية انطلقت الشرارة عام 1856 من نيويورك عندما خرجت آلاف النساء الى شوارع المدينة احتجاجا على الظروف اللاإنسانية في العمل، ورغم تدخل الشرطة بوحشية لتفريق المتظاهرات نجحت المسيرة في دفع المسؤولين السياسيين إلى طرح مشكلة المرأة العاملة على جداول أعمالهم اليومية. وفي 8 آذار - مارس 1908 عادت الآلاف من عاملات النسيج للتظاهر في شوارع نيويورك، وحملت المشاركات قطعاً من الخبز اليابس وباقات من الورود تحت شعار "خبز وورود". طالبت المتظاهرات يومها بتخفيض ساعات العمل ووقف تشغيل الأطفال ومنح النساء حق الاقتراع. فكانت بداية حركة نسوية داخل الولايات المتحدة، بعدما انضمت إليها نساء من الطبقة المتوسطة طالبن بالمساواة والإنصاف ورفعن شعارات الحقوق السياسية وأولها حق الانتخاب، فكانت بداية الاحتفال بالثامن من آذار يوما للمرأة الأميركية تخليداً لمظاهرات نيويورك عام 1909. ومن ثم تبنت الدول الأوروبية اقتراح الوفد الأمريكي بتخصيص يوم واحد في السنة للاحتفال بالمرأة عالميا هو الثامن من آذار...

أما في روسيا أو الاتحاد السوفياتي سابقا فالثامن من آذار هو ثورة النساء العاملات ضد ما سمي بعبودية المطبخ ولإسقط الاضطهاد وضيق الأفق في العمل المنزلي. وقد حددت الدولة العطلة الرسمية في الثامن من آذار تأكيدا على دور الدولة السوڤياتية في تحرير النساء من كونهن مواطنات من الدرجة الثانية.

لم توافق منظمة الأمم المتحدة على تخصيص الثامن من آذار عيدا عالميا للمرأة إلا عام 1977 مع إصدارها قرار دعوة دول العالم إلى اعتماد أي يوم من السنة للاحتفال بالمرأة فاختارت الغالبية الثامن من آذار، الذي تحوَّل بذلك إلى رمز لنضال المرأة، تخرج فيه النساء عبر العالم في مظاهرات للمطالبة بحقوقهن، فيما كان الاحتفال بالمناسبة إثر عقد أول مؤتمر للاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي، الذي يتكون من المنظمات الرديفة للأحزاب الشيوعية في باريس عام 1945. وهو أول احتفال عالمي بيوم المرأة، ويرجح بعض الباحثين ان اليوم العالمي للمرأة أعقب بعض الإضرابات النسائية التي حدثت في الولايات المتحدة.

منذ العام 2011 تحصل النساء في عدد من الدول على إجازة في الثامن من آذار كالصين وروسيا وكوبا للاحتفال بإنجازتهن الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

بعد الاستعراض التاريخي لهذا اليوم العالمي، ومع تفاقم الواقع المرير الذي تعيشه النساء في منطقتنا، لم يعد يعنينا من المناسبة ما يجري من كرنفالات مللنا متابعتها، كما لا تعنينا العطل الرسمية وأيامنا تحوّلت قسرا الى بطالة مقنعة، يحكمها انتظار يائس لفرص صعبة المنال بالخلاص والتغيير، ولا يهمنا إن كُرِّمت فلانة أو غيرها، والأمر سواء في مسيرة الوقوف على الأطلال والبكاء على أمجاد هي بالتأكيد زائلة في ظل ما نشهده من تراجع مزر لقيم الإنسانية وحقوق الإنسان في زمن الحروب المدمرة والقتل، وفي ظل وسيادة المادة والفساد والاستغلال؟!.

ترانا نعود الى البدايات لنسأل عن مصير النساء وإنجازاتهن، وعن قضية المرأة التي هي قضية الإنسان المهدورة كرامته بقساوة، والمنتهكة حقوقه الى أبعد الحدود، وما إذا كنَّا نحتاج الى أكثر من النواح والعويل على اضطهاد المرأة.

ألا يستحق هذا الويل العظيم الذي نعيش ثورة نسائية تكسر الأغلال وتهشِّم عظام التخلف والقهر الاجتماعي؟.