Book iPad wallpaper Flying Letters

فاطمة طفيلي

فرضت العولمة الأميركية قبل ربع قرن مضى تقاليد السوق في عالم الثقافة والإعلام، ودخل الترويج مسام الحياة السياسية والثقافية لبلادنا، وترافق ذلك مع ثورة الفضائيات والأنترنت، التي عممت التسطيح والتفاهة في كل شيء. باتت برامج المسابقات وسيلة لتعميم الفن الهابط، ومواقع التواصل الاجتماعي سبيلا إلى نشر أساليب الاستعراض وقطف النجومية البائسة بكلمات مصفوفة او منسوخة لا لون ولا طعم لها. وأصبحت مزاعم امتهان الإعلام أقرب إلى المهانة لكل إعلامي جاد، حفر بجهده وثقافته مكانته، ليتساوى الأصيلون والطارئون في ألقاب سُخّرت للاستعراض والاستهلاك الفارغ. أما حوارات القنوات التلفزيونية وموادها البرامجية فقد طغى عليها المنجِّمون والشتامون ورواد المصارعات والمشاجرات الفارغة من أي مضمون مفيد.

ببساطة إنه زمن العناوين الفارغة، التي تخدم غاية التسويق والإثارة الهادفة لرفع منسوب المشاهدة وحصص التمويل الإعلاني، وتحفيز الطلب على السلع الإعلامية والثقافية المطروحة للتداول. حتى صناعة الكتب باتت محكومة لهذه التقاليد. فالعناوين البراقة تطبع على الأغلفة لجذب الزبائن، وما بين الدفتين يأتي فارغا بلا محتوى في معظم الأحيان.

حتى لا تكون الصورة النقدية سوداوية ويائسة، نستدرك للقول إن بعض المنتجات الجيدة والمتميزة ظهرت في هذه الحقبة المهلهلة بمحتواها، ولأنها تخالف القاعدة المتوحشة، لا تلقى ما تستحق من الاهتمام في ضجيج السوق المزدحم بالبضائع الرديئة.

الكتاب الذي يقدم أفكارا جديدة وخلاقة يهمل مقابل كتب التنجيم والمطبخ والنسخ المكرر والمقالات المجمَّعة والقصائد المركبة والمفتعلة، لاكتساب ألقاب بلا جدارة عن هراء، هو صف حكي وهلوسات بائخة، يجري اجترارها. فالمنتجات الفنية الراقية لا تلقى الاهتمام المفترض. بينما يسود في مشهد الاستهلاك كل ما يتصل بالاستعراضات الجنسية لعارضات الأزياء والألحان المسروقة والمركبة والمنسقة على الكومبيوتر، الذي يقدم لنا أصواتا ملفقة بلغة مسطحة، تنحدر صوب الإيحاءات الغرائزية وابتذال الحب كفكرة سامية، تعبر عن جوهر العلاقات الإنسانية.

تسليع المراة يتقدم ويكتسح عالم الإعلان والإعلام رغم تناسل الجمعيات النسائية بسرعة فائقة، مع وفرة فرص الاستخدام والتوظيف، التي تقدمها البرامج الأميركية والغربية، لتصنيع نخب افتراضية تحت عناوين المجتمع المدني والمنظمات غير الحكومية، التي باتت منصات استعراض فارغة من أي قضية، ومجالا لتصنيع مزيد من النجوم المرتبطين بخيوط المشغلين الأجانب وبأموالهم .

أما الأطفال فهم أيضا مادة استثمار بشع، في هذا الواقع الاستهلاكي المتوحش. وتتحول مآسي التهيجر واللجوء إلى فرص للصوص ولتجار المساعدات ويافطات الإغاثة، وخلف العنوان الإنساني تختبيء آلاف الفضائح المكتومة عن تجار وسماسرة بصفات المسؤولين والناشطين، الذين يتقاسمون المنهوبات من موازنات صناديق المساعدة وجمعيات الإغاثة لدرجة مخجلة.

إنها الفرقعة التسويقية للعناوين، التي يكرسّها مجمع النهب البشع، لبلف الرأي العام، ولتعميم البله الاجتماعي الشامل ... ومن المعبِّر على سبيل المثال ان يتركز النشاط المسرحي في لبنان على علب التهريج الجنسي المنسوخة عن برامج تلفزيونية سخيفة ومنحطة اخلاقيا وفنيا .

دعوتنا في وداع العام 2015 ... أوقفوا المتاجرة بالإنسان وحملات التسول والنصب عبر الأثير باسم الفقراء والمرضى والمعذبين، ولنشهر سلاح النقد القاسي في وجه الابتذال والتفاهة والمتاجرة بالإنسان والقيم الإنسانية، التي يجري اغتيالها على مدار الساعة... النقد هو التأسيس الفعلي لكل نهضة عبر التاريخ. وعلى كل من يستطيع ان يقاوم الاستسلام للمهازل، التي تلفنا من كل الزوايا... نريد أثيرا نظيفا يروج للإبداع وللفكر الخلاق وللأدب والشعر والفن الراقي. بذلك يتقدم مجتمعنا وننتشله من هاوية انحطاط مروع يجتاح كل شيء ... وكل عام وأنتم بألف خير.