brj4

فاطمة طفيلي

  يتكرر المشهد مع كل حدث مأساوي كالذي شهدته منطقة برج البراجنة بالأمس مع التفجيرين الإرهابين، سواء كان الحدث أمنيا أم سياسيا أو اجتماعيا أو من أي صنف آخر لا فرق، ليبقى المشتَرَك عبر وسائل الإعلام وفي مواقع الأخبار السريعة، وحتى على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، الابتعاد عن متابعة وتغطية  الحدث بذاته، والتقصي عن ماهيته ونتائجه وانعكاساته، بل يصبح السؤال الفعلي في حمى الإثارة والفرقعة الإعلامية كيف نتناتش المشاهد الأولى والحصرية وما شابه من عناوين تضعنا في خانة الآلات المبرمجة، التي لا تتوانى عن نشر أي شيء يخدم الظهور وما يسمى بالتفرد والتميّز والفوز بالمراتب الاُولى، فيما الاَولى أن نعود الى ذواتنا للبحث عن إنسانية تتآكل الى حد الاختفاء في ظل سيادة التوحش والقتل والتدمير وانتشار أشكال مبتكرة في قتل الانسان واستهداف ما تبقى مما يميزه عن سائر الكائنات حتى المفترسة منها.

سباقات محمومة ينساق معها المواطن المهووس أصلا بنقل الصورة والتباهي بتعيمها وتبادلها مع الأصدقاء في عوالم الافتراض، ليختلط المشهد بين المتخصصين والهواة، ولكل نصيبه، وكأن ما يصيبنا مجرد استعراضات مصطنعة ستنجلي آثارها مع كل جديد يفرض تغيير الصورة ونسيان ما سبق.

كيف ننسى مشهد الطفل حيدر وهو يخضع للاستجواب على سرير الألم المزدوج، ألم الجسد جراء الإصابة وما سيعقبها من آلام اليتم والمصير المجهول،  وكأني بالإعلامي السائل، أيا كانت دوافعه، يستعجل إيقاظه من لحظاته القصيرة الفاصلة عن واقع مرير أراده له المجرمون كالحا كوجوههم، مظلما كسواد أفكارهم الشيطانية؟. وبأي حق يُرشق الأهل بصور وأسماء أبنائهم وأحبائهم الشهداء والجرحى وهم ما يزالون يتبينون ما جرى وكيف وأين؟. وأي قانون يجيز تعميم صور الأشلاء والدماء بهذه البساطة ودون وازع من حس أو ضمير.

إن تجاوزنا القانون كما يحلو للبعض ان يفعل في الغالب وفي الحالات الطارئة، بحسب التبريرات التي تساق باستمرار لتعليل استباحته وتخطي أعراف وآداب التعاطي مع آلام البشر ومصائبهم، لا بد من السؤال عن معايير الإنسانية وما تفرضه من أصول بديهية لا يمكن إغفالها.

كيف يمكن للإعلامي ألا يرى في المصاب ابنا أو أبا أو أخا وفي الشهيدة ابنة أو اختا أو أما أو زوجة، وهل تعني الموضوعية والمهنية ان يتجرد الإنسان من إنسانيته ومشاعره، وهل وضعت القوانين خدمة للبشرية أم ضدها؟!. وإن كانت كذلك فبئس المهن وسقطا لكل القوانين التي لا تراعي حرمة الإنسان طفلا كان أم كهلا.

متى نخجل من الخوض في دمائنا وآلامنا، وكيف نضع حدا لهذا الفلتان المزري في عالم الصوت والصورة والكلمة، أما آن للصمت أن يجد منفذا ولو صغيرا إلينا، بعدما أصبحنا لا نعرف للصمت طريقا حتى في دقائق محددة نعلنها تضامنا أو حدادا، دقائق لا تكتمل بفعل ضجيج بات السمة الأبرز في لقاءاتنا، واجتاح أيامنا بينما كنا عاجزين عن الصمت والاستماع؟!.