Get Adobe Flash player

0b7b14ea 76d5 4ff6 aa22 8472ed025e48

فاطمة طفيلي

صحيح ان المشاكل التي يعيشها العام آخذة بالازدياد ومعها تكبر تعقيدات الحياة اليومية، لكن الشعوب المدركة لمصالحها ولضرورات الاستمرار والتأقلم مع التغييرات والمستجدات تسعى دائما لتعزيز ثقافة البحث عن الحلول والانهماك في ترتيب البدائل الآمنة، ولنا في العلم ونظرياته خير معين، عندما يكون للأزمات تعقيداتها الخطيرة، التي تهدد الحياة بكل ما فيها من بشر وكائنات على المديين القصيروالطويل، كما هي الحال في لبنان مع أزمة مستفحلة، قد يصح القول بأنها تتحول الى مزمنة في ظل الاسترخاء المريب بعيدا عن العقل والمنطق المبرر، وتأخير البدء بتنفيذ الحلول المطروحة على علاتها. آن الاوان للبدء بخطوات عملية ترتكز الى نوايا صادقة في هذا الاتجاه، سواء من المعنيين والمتخصصين أم من المواطنين العاديين، والكل متضرر من النتائج السلبية للازمة.

المسؤوليات مشتركة والضرر يطال الجميع، ولا مجال للمناظرات والمزايدات التي تطلق من هنا وهناك لمجرد تسجيل المشاركة بإبداء الرأي بعدما بلغت الأزمة حدا لا يطاق، وبعدما أصبحت أكوام النفايات وجبالها المشهد الأبرز والمعلم الأساسي الذي يحجب كل ما تميز به لبنان من طبيعة وجمال وغيرها من مقومات الفرادة، فبلد الارز اصبح معتلا يختنق بنفاياته، التي اختلطت عصاراتها وترسباتها مع موسم الامطار بالتربة، وبالتالي بالمياه الجوفية، ناسفة ما تبقى من نقاء الطبيعة وصحتها، فما بالك بصحة الانسان وبالحياة بأشكالها كافة، من الهواء الى الماء والغذاء؟!.

قد نكون اعتدنا على المثل الشعبي القائل "كل تأخيرة وفيها خيرة"، لكن واقعنا الأليم يناقض هذا المفهوم، ويحتاج الى مبادرات سريعة تحد من الاضرار وتوقف التدهور المودي الى الهلاك، وتفسح المجال للتفكير جديا بإزالة ما نتج من اضرار، يؤكد اهل الاختصاص انها تحتاج الى سنوات من العمل لإنهائها والعودة بالوضع البيئي الى ما كان عليه، اي مع ما سبق من مشاكل بيئية كانت تحتاج هي الأخرى الى معالجة مسبباتها، وما أكثرها، قبل ان يُضاف إليها فعل النفايات وآثارها الهدامة.

حالنا يشي بأننا نتجه نحو مزيد من الغرق بكارثة تتهدد البلد بكل مكوناته، ولا ينفع في الحل ما تبدى خلال الاسابيع الماضية من اقتراحات كمثل تغطية اكوام النفايات وعزلها بانتظار الفرج، أوما تنجه القرائح من افكار، ليست بالمعجزة، قياسا الى الخبرات العالمية التي سبقتا اليها حتى تلك السماة بالدول النامية، فكيف بالمتحضرة، التي نعتبر بلدنا في مصافها، ونظرا الى ان بلدنا هو الوحيد بين بلدان العالم، الذي يقف عاجزا امام مشكلة بات حلها يسيرا ومتاحا إن توفرت النيات الحسنة والقرارات الجدية التي تحوّل الضعف الى قوة والعدم المتمثل بالنفايات الى طاقة نستثمر فيها مع مزيد من فرص العمل والكفاية عبر الفرز والتدوير وإعادة التصنيع...

نحن اليوم في قلب الخطر، والقول ليس مجرد رأي عابر، بل هو العلم الذي يؤكد بأن مشكلة الأمطار مع تراكم النفايات ستجعلنا نترحم على موضوعي الطمر والحرق وسواهما من معالجات آنية، أمام خطر المادة المسماة "ليكسيريات" المعروفة عالميا، والتي تتم معالجتها بطرق متقدمة لتلافي خطرها الشديد، لجهة تلويثها للمياه والتربة بالتالي المزروعات، ولا يزول أثرها الملوث، في حال تمت المعالجة قبل سنتين على الأقل. وهي عبارة عن عصارة ينتجها تفاعل النفايات ذاتها او اختلاطها مع المياه، بحيث تصبح ممتلئة بالرواسب الكيميائة السامة مثل النيترات والفوسفات والامونيوم... المضرة بالصحة بشكل مباشر، والتي تؤدي الى تلوّث المياه الجوفية والسطحية، وهو أمر تؤكده الدكتورة جويل باسيل الباحثة العلمية والمتخصصة في الكيمياء والبيوفيزياء، مشيرة الى تحذير المنظمة البيئية العالمية "غرين بيس" من خطر هذه المادة في تلويث البحر الابيض المتوسط ، وبذلك تتسع دائرة التلوث لتشمل البلدان المحيطة وتتفاقم المشكلة ويصبح خطرها أشد وأدهى.

وتوضح باسيل أن مادة "ليكسيريات" تلوث المياه بما فيها مياه الشفة، والمحاصيل الزراعية وكل ما            تطاله، وبالتالي سنشرب المياه غير النظيفة، ونتناول أطعمة تمّ غسلها بمياه ملوثة، والدائرة الى اتساع، ناهيك عن البكتيريا والملوثات الأخرى من غازات وأبخرة تنتجها أكوام النفايات المكدسة في كل مكان، والقول بأن الأمطار تخمد الأبخرة والغازات وتزيل أثرها خاطيء، لأنه وإن ساهم بإخمادها من الأجواء سيجعلها تتغلغل في التربة، ومن ثم في المياه الجوفية والنتيجة واحدة، مشيرة الى ما يسمى بدورة المياه أي عملية تبخّر المياه التي ستمتزج مع الانبعاثات الملوثة والغازات السامة لتعود مجددا الى الطبيعة على شكل أمطار مشبعة بكل هذا الكم من السموم، دورة كاملة ومستمرة ستفاقم الكارثة وتعممها، فماذا أعددنا من خطط علمية لمواجهة هذا الواقع المزري ولدرء الخطر المتفاقم، وهل سنفعل أم نواصل التنظيير والتصارع على جنس الملائكة؟!.