Get Adobe Flash player

0b7b14ea 76d5 4ff6 aa22 8472ed025e48

فاطمة طفيلي

يبدو أن أزمة النفايات في لبنان ذاهبة الى مزيد من التفاقم في ظل القصور الواضح عن معالجتها كما تفعل الدول الحقيقية، التي تقيم وزنا لتاريخها وحضارتها ومستقلبها، وبالدرجة الاولى لبيئتها وصحة مواطنيها.

ما يجري من اجتماعات ونقاشات رسمية لا ينتج الى الآن إلا مزيدا من الوعود العرقوبية، التي لا تجد لها سبيلا لوفاء بتنا نفتقر الى أبسط معاييره، بدليل الكم الهائل من المشاكل، التي تحتاج حلولا، ولا تجد من يحرّك ساكنا لذلك، والمواطن المغلوب على أمره غارق في همومٍ أرادوها شغله الشاغل، كي لا يتنّبه لما يقترفون بحقه وبحق الوطن من ارتكابات وسمسرات، لم يردعهم انها تُعقد على حساب الوطن ووجوده.

ليس صحيحا ان الامكانات غير موجودة وأن فرص الحل غير متوافرة في بلد مثقل بالديون، تعطلت فيه السياسة إلا من عنتريات الساسة وخطاباتهم الخاوية، وليس صحيحا ألا حلول علمية، على الأقل بدليل ما تزخر به وسائل الإعلام من عروض وأفكار لمشاريع حلولن لم يكلف أي مسؤول نفسه عناء مناقشتها، فيما كان يفترض، في حالة كالتي نعيش، أن يبادر المسؤولون عن الملف وفي طليعتهم الوزراء المعنيون الى إعلان حال طواريء عامة وعقد لقاءات مفتوحةٍ لا تتوقف حتى بلوغ الهدف المنشود بالاتفاق على حلول واقعية، تستند الى الخطط العلمية الممنهجة، وإن أعيتنا الحيلة، ولم نوفق الى حل مناسب لافتقارنا الى الخبرات والمتخصصين القادرين على تقديم الافكار، فلنا في الأطلالة على تجارب العالم الرائدة في هذا المجال خير معين، علما وللإنصاف ان في لبنان متخصصين جاهزين بالخطط والمشاريع الواقعية القابلة للتنفيذ، ولتقديم الحلول الناجعة والمستدامة، وليس كما اعتدنا الحلول المؤقتة المبنية على السمسرات وحسابات الربح والخسارة المادية، التي تبقينا أسرى دوامة تجدد الأزمة والعودة الى البدايات.

المواطن يكتوي بنار الأزمات المفتعلة والدائمة، وليست أزمة النفايات آخرها، وقد ابتلى بالعديد منها الى درجة أصبحت حياة الفرد منا في بلد الارز عبارة عن تراكم دائم للازمات والتعقيدات الخانقة، التي وكما يقال بالدارج، انها تهدّ الحيل وتكسر الظهر، وهي بتردداتها ومفاعيلها اكثر من أن تعدّ أو تحصى، من المياه وحالنا معها في الصيف حريق وفي الشتاء غريق، الى الكهرباء وما زخرت به معالجاتها الأزلية من وعود بالتغذية الشاملة في مدد زمنية محددة، لم تكن تواريخها إلا مجرد بدايات لظلمات تتسع وتنذر بالمزيد، فيما يعلنها المسؤولون وبكل صفاقة ألا حلول قريبة، وأن المشكلة مستمرة الى أواخر الصيف إن لم يأت سحر الحل عن طريق الخصخصة الموعودة، وفيها ما فيها من سمسرات ومكاسب إضافية وأعباء، تضاف الى الموجود والحبل على الجرار. هذا غيض من فيض ما يحفل به البلد من أنعام الفساد والمفسدين في كل المجالات وعلى جميع الأصعدة، وفي النهاية ما عليك إلا التسليم والابتسام، كيف لا وانت في لبنان؟!!!.

لبنان غني بالمبادرات الفردية وبالعقول والأدمغة. لبنان الذي اعتاد مسؤولوه الاعتياش على الأزمات والاستهانة بعقول المواطنين وقدراتهم مستمر الى الآن بقدرة أبنائه على الابتكار وإطلاق المبادرات، والأمثلة قائمة في أكثر من قرية وبلدية أو اتحاد، بدأت بمشاريع صغيرة تؤسس للاتساع والاستدامة في غياب الدوله ومسؤوليها، مبادرات ناجحة يمكن أن تكون مثالا محفّزا، إن حظيت بالتفاتة مسؤولة توفّر لها القليل من الدعم والرعاية، وبين شبابه الكثير من المتعلمين الواعين لحجم الاعباء والمخاطر، والذين انبروا الى الفعل والتخصص وتسخير علومهم في مجالات متعددة، ليس أقلها الإنماء الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، فهل من يسأل أو يحاول استثمار هذه الطاقات، أم أننا اعتدنا ان نصدِّر للعالم كل امكاناتنا، ومبدعينا، يفيدون العالم كله، والانتشار اللبناني معروف ومقدّر في كل بقاع الأرض إلا في بلده الأم لبنان؟!. فيما ينتظر الداخل تحويلات الأبناء المغتربين عن العائلة والأهل، أو ما تجود به الدول المانحة من مساعدات مشروطة بكل أشكال التبعية والارتهان؟!.

لقد اعتدنا تصدير الكفاءات واستيراد كل شيء، حتى الآفات المفسدة. اعتدنا استيراد نفايات العالم من مأكولات وصناعات غير مطابقة للمواصفات، وحتى المنتهية الصلاحية وغير المخصصة للاستهلاك الآدمي، إلى درجة أن بعض البلدان تصنِّع لنا سلعا تمنع بيعها في أسواقها، وبمواصفات أقل ما يقال فيها أنها غير صالحة للاستهلاك، وصولا الى النفايات السامة، وما تخفيه بعض جبالنا مما طمر فيها، قد يكون الدليل، إن قُدِّر لأحد اكتشافه. كل ذلك دون أن نحرك ساكنا، اللهم إن اسثنينا بعض المبادرات الأخيرة التي بدأ أصحابها من وزراء ومسؤولين بالتنبّه الى خطورة الأمر، وفيه هلاكنا الأكيد ولو بعد حين.

وفي النهاية، يبدو أننا بالغنا في تقدير براعتنا في الاقناع أو في تمرير الأمور على عواهنها، متناسين أن من يستورد منا يفعل ذلك وفق ما تقتضيه مصالحه وفي إطار مواصفاته المحددة، ولا يعفينا ان بعض الدول تستثمر في النفايات بطرق مفيدة تدرّ عليها أرباحا وطاقة، فمن اعتاد على مواصفات محددة للاستيراد لن يستثني منها حتى "زبالتنا" المصنّفة بأنها غير مطابقة للمواصفات، لنفاجأ أننا وإن تحمّلنا أكلاف التصدير فإن بضاعتنا سترد إلينا على أنها عير مستوفية الشروط، طالما ارتضينا تحديد سقف المواصفات لما نصدِّر، وشرّعنا الأبواب واسعة لكل ضروب الاستيراد.

فأي لبنان نريد، وكيف نستمر، إن لم نستوف أبسط معايير حقوقنا بالحياة الكريمة الخالية من المخاطر والأزمات، وإلى متى نرضى بأن يبقى لبناننا غير مطابق لمواصفات الوطن، ومواطنه أقل من أن يُوصف بالمواطن؟!.