Get Adobe Flash player

mirnaa

ميرنا قرعوني

لجمت روسيا تمادي التدخل التركي في سورية من خلال التدابير والإجرءات الرادعة التي اتخذتها اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً بعد إسقاط القوات التركية للطائرة الروسية ولكن التراكمات السابقة للتدخل التركي أنشأت واقعياً ما يمكن اعتباره منظومة كاملة للتدخل التركي من خلال الجماعات المسلحة التي تدعمها تركيا وهي تشمل إضافة إلى داعش شريكة الحكم التركي في تجارة النفط كما تقول الوثائق الروسية العديد من القوى والتنظيمات فمعظم التشكيلات التي تقاتل ضد الجيش السوري لديها مواقع قيادة وإمداد داخل الأراضي التركية وترتبط بصلات تنسيق لوجستية مع المخابرات التركية وفقاً لتقارير الصحافة العالمية وثمة معلومات تحدثت عن تواجد ضباط اتراك في صفوفها وخصوصاً بالنسبة لفصائل التركمان والإيغور والشيشان والقوقازيين التي تتبناها أنقرة جهاراً ناهيك عن جبهة النصرة التي اجتاحت محافظة إدلب بتغطية من المدفعية التركية وتركز حكومة أنقرة اهتمامها على الجماعات العرقية المتطرفة دينياً من بين هذه الفصائل وهي تعتبر نفسها وصية عليها وتتخذ منها ذريعة للتدخل كما فعلت في موضوع جبل التركمان شمال سورية.

بعد الإجراءات الروسية الرادعة وخصوصاً بعد الضربات الجوية المركزة قرب الحدود السورية التركية قامت أنقرة بالتوغل العسكري في العراق تحت ذريعة تقديم التدريب لوحدات عراقية وحسب وسائل إعلام تركية أرسلت أنقرة 600 جندي تركي تدعمهم 25 دبابة إلى بعشيقة، قرب مدينة الموصل ثاني أكبر مدن العراق التي يسيطر عليها منذ حزيران 2014 تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، بموافقة من الحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي وبطلب من محافظ نينوى السابق.

هذا الانتهاك للحدود والسيادة أثار سخط الحكومة العراقية فقد دعا رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي الحكومة التركية إلى سحب قواتها من محافظة نينوى واعتبر أن ذلك يشكل خرقاً خطيراً للسيادة العراقية، لا سيما أن الأتراك لم يطلبوا إذناً أو ينسقوا توغلهم العسكري مع الحكومة العراقية الاتحادية .

هذا التحرك سيمكن تركيا من التحكم العسكري بمدينة الموصل والسيطرة عليها، وللقيادة التركية أطماع تاريخية في الموصل تعود إلى مطلع القرن العشرين وقد جاهرت قيادة حزب الأخوان الحاكم بتلك الأطماع وبتمسكها باعتبار الموصل أرضا تركية، كما يحقق هذا التوغل العسكري فصل أكراد سورية عن أكراد العراق فهو على مثلث حدودي بين سورية وتركيا والعراق ويتحكم جغرافيا بالربط بين إقليم كردستان في العراق ومناطق انتشار وحدات الحماية الكردية في سورية.

روسيا التي تشهد علاقاتها مع تركيا توتراً منذ حادثة إسقاط الطائرة الروسية طلبت إجراء نقاش غير رسمي في مجلس الأمن الدولي بشأن العمليات العسكرية التركية في سورية والعراق، بحسب مصادر دبلوماسية في نيويورك ولكن النتائج جاءت مخيبة للآمال فقد عبر السفير الروسي لدى الأمم المتحدة «فيتالي تشوركين» عن خيبة أمله لعدم تحقيق النتائج المرجوة من الاجتماع المغلق لمجلس الأمن الدولي، والذي بحث مسألة نشر الجنود الأتراك في شمال العراق، مشيراً إلى أن الاجتماع «لم يخرج بنتائج تلزم أنقرة باتخاذ أي إجراءات بهذا الشأن».

التحرك الروسي في مجلس الأمن يعد سابقة نوعية وهو يكشف المخاوف الروسية من استغلال تركيا لنفوذها في المنطقة والانطلاق لتهديد الأمن الروسي بعد تكريس سابقة انتهاك الحدود والسيادة الوطنية لكل من العراق وسورية وهو أمر قد يتكرر في التعامل مع دول أخرى تزعم تركيا أن فيها أحداثاً وجماعات دينية أو عرقية تتذرع بها للتدخل العسكري تعبيراً عن أطماع تركية قديمة تشمل مناطق انتشار المسلمين في روسيا الاتحادية وجوارها حيث يقدر عدد المسلمين في روسيا بثمانية وعشرين مليون مسلم، يشكلون حوالى 20 في المئة من السكان أي واحد من كل خمسة روس مسلم ويشكلون أكبر أقلية دينية.

يتوزع المسلمون في روسيا في منطقتين رئيسيتين:

منطقة الفولغا في قلب روسيا ، وذلك في ست جمهوريات تتارستان وبشكيريا وتشوفاش وموردوفيا وماري يل وأودمورت إضافة إلى إقليم أورنبرغ.

منطقة القوقاز الشمالي جنوب غربي روسيا وتشمل سبع جمهوريات داغستان والشيشان وإنغوشيا وقبردين بلقاريا وأوسيتيا الشمالية – ألانيا وكارتشييف شركيسيا والأديغة.

ويبلغ إجمالي عدد المسلمين في هذه الوحدات الإدارية نحو 16-17 مليون نسمة، إضافة إلى 5-6 ملايين آخرين يتوزعون بشكل مبعثر عبر الأصقاع الروسية، من حدود الصين واليابان شرقاً إلى حدود فنلندا غرباً.

هذه الكتلة السكانية المهمة والوازنة تعمل في صفوفها تشكيلات متعددة من تنظيم الإخوان المسلمين الذي تعتبر قيادة العدالة والتنمية قيادته العالمية وتنشط في صفوفها وحدات قاعدية متطرفة شاركت في الحشد إلى سورية والعراق ويمثل التركمان ثقلاً بارزاً في صفوفها، وبالتالي ثمة أساس للمخاوف الروسية من التحرك العسكري التركي .

من الواضح أن إثارة القضية في مجلس الأمن تنطلق من تقدير موسكو أن الخطوات العسكرية التركية باتت تمثل تهديداً لأمنها القومي الذي بات يستدعي ردع الجموح التركي للعبث بالجغرافيا الإقليمية وبحدود الدول وباستعمال انتشار التركمان والقوميات المنتمية إلى العرق ذاته كذريعة جاهزة للتدخل العدواني وللتجرؤ على تخطي الحدود.

هذا الخطر الذي يلتمسه القادة الروس قابل للتكرار في القرم وتركمانستان وطاجكستان وغيرها من دول الجوار الروسي أو في سائر الأقاليم الروسية حيث توجد أقليات عرقية مسلمة تحرك أطماع أردوغان وفريقه في التدخل فماذا ستفعل روسيا لردع الغطرسة التركية ولحماية أمنها القومي؟