mirnaa

ميرنا قرعوني

سنة وثمانية اشهر قضاها قاتل رقية أسعد منذر خلف القضبان قبل ان يفرج عنه، من منا لا يذكر تلك الجريمة المروعة التي وقعت عشية عيد الام وراحت ضحيتها امرأة حامل لم تتجاوز 22 من عمرها على يد زوجها بطلقة نارية اخترقت جسدها لتصل الى جنينها وتنهي حياته على يد والده قبل ان يبصر النور .

هي رقية تقتل اليوم مرة ثانية بعد اقل من عامين ، فموتها وهي حامل لم يشفع لها امام القضاء حيث وبتاريخ 27 تشرين الاول 2015 أصدرت الهيئة الإتهامية قراراها بإخلاء سبيل محمد منذر مقابل كفالة مالية قيمتها 20 مليون ليرة لبنانية، مع العلم أن التحقيقات أُثبتت تهمة القتل.

ذنب رقية هو انها ضاقت ذرعا من تعرضها للتعنيف المستمر على يد وزجها مما دفعها الى طلب الطلاق ، وهذا الطلب الذي كان كفيلا بانهاء حياتها .

المفارقة ان اخلاء سبيل قاتل رقية تزامن مع احتفال العالم بحملة ال 16 يوم لمناهضة العنف ضد المرأة والتي تمتد من يوم 25 نوفمبر تشرين الثاني حتى العاشرمن ديسمبر كانون الأول، وهي حملة عالمية تشارك فيها الجامعات ومنظمات المجتمع المدني المهتمة بمناهضة العنف ضد المرأة تحت رعاية الأمم المتحدة.

رقية التي عانت من ظلم زوجها وتعنيفه خلال حياتها معه وصولا الى قتلها خلال انتظارها مولودها ، لم تسلم من الظلم بعد مماتها ولكنها اليوم تعاني من ظلم قانون لم ينصفها في حياتها واجاز باطلاق سبيل قاتلها، فكيف يجيز القانون محاكمة قاتل ثبتت ادانته بارتكاب جناية وليس جنحة وهو خارج القضبان ؟!.

تكثر الاقاويل والروايات حول الظروف والمعطيات التي أدت الى اخلاء سبيل قاتل رقية ، فهناك من يقول إن قرار ترك المتهم جاء بنتيجة ضغوط مورست على الهيئة الاتهامية من قبل عائلة الجاني .

قصة رقية تدفعنا الى عرض موجز عن حجم الاجحاف الذي تتعرض له المراة اللبنانية بفعل قانون الاحوال الشخصية فرقية ليست المرأة الوحيدة التي ظلمت وقتلت، فهناك عشرات النساء اللبنانيات قتلن على يد ازواجهن او احد افراد عائلتهن خلال العامين الماضيين، ولم نشهد حتى اليوم محاكمة منصفة بحق اي من المعتدين فضلا عن المعاناة الصامتة التي تعيشها الكثير من النساء لانهن خائفات من التعرض للقتل او عدم الانصاف .

لا حماية قانونية للمرأة ضد العنف العائلي ولا تضمن القوانين مساواة المرأة بالرجل بمعيار الكرامة وسيبقى هذا الواقع مفروضا على نساء لبنان في غياب قانون مدني موحد للاحوال الشخصية ، فالطلاق يخضع للتشريعات والقواعد المعتمدة لدى الطوائف في الأحوال الشخصية ولو تقدمت المراة بطلب الطلاق امام المحاكم المذهبية فهي قد تضطر للانتظار سنوات طويلة وقد تحرم من ابنائها أو تضطر للتنازل على حقوقها المالية وغيرها من وجوه المعاناة التي لا تنتهي في مجال النزاعات العائلية والزوجية التي يرجعها قانون الأحوال الشخصية إلى المرجعيات المذهبية التي تبت محاكمها الخاصة بقضايا الزواج والطلاق والحضانة والإرث وغيرها من الأمور الشخصية ، وكل هذا الظلم تحميه مجموعة من القيم الاجتماعية المتخلفة التي تدين المرأة المطالبة بحقوقها دون تبين الأسباب والدوافع المشروعة وتعيب عليها المجاهرة بالخلافات الزوجية وسعيها للحصول على حقوقها عبر المحاكم وحيث تدان المراة مسبقا في نظر قيم المجتمع الذكوري المتعسف والجاهز للنيل من كرامة المرأة وشخصيتها الإنسانية المستقلة.

بالرغم من اقرار قانون حماية المراة من العنف الأسري الا ان حالات التعنيف من ضرب واهانات وتهميش وصولا الى القتل ما تزال في ازدياد في لبنان ، فهذا القانون لم يقدم للمرأة المعنفة الحماية اللازمة ، فكيف التعويل على تقديم الحماية من الضرب اذا كانت المرأة المقتولة لا تنصف حتى بعد موتها ، دماء رقية لم تشفع لها أمام القضاء كما لم تشفع لغيرها من النساء ، فاليوم قاتل رقية يتمتع بحريته في منزله وبين عائلته بينما اسرتها تتحسر عليها وتبكيها من جديد بعد اخلاء سبيل قاتلها .

مع كامل احترامنا للقضاء اللبناني وقراراته نسأل ألا يستحق مثل هذا الملف تحركا من التفتيش القضائي ومن مجلس القضاء الأعلى لفرض معيار صارم في التعامل مع المتهمين بقتل زوجاتهم ؟