Get Adobe Flash player

 

قيل فيه الكثير وكتب عنه من زوايا نظر وخلفيات متعدّدة لوفرة نتاجه وعلوّ مكانه. ربّما أكون من أواخر الساعين إليه وقد نفذت ذخائره موزّعة على صفحات قادريه.

أحاول أن أجد لي منفذاً إليه عبر قراءة إسترجاعية لمواقفه وآرائه السياسية ربطاً بالواقع اللبناني الراهن بعنوان: سليم حيدر ونداء الحاضر، ذلك أن المواقف والآراء متى كانت صادرة عن فقه سياسي مشبع بمعرفة سوسيو/ثقافية/تاريخية تبقى صالحة لقراءة التاريخ بأزمنته كافة ما دامت قضاياه سالكة في الاتّجاه عينه.

  • من قضايا مرحلة ما بعد الطائف حتى اليوم قضية بناء دولة الحق

قرأنا عن بعض ملامحها في وثيقة الوفاق الوطني وهي حتى الساعة حبيسة نصّها ونصوص بيانات الحكومات المتعاقبة وخطب رؤساء الجمهورية في جلسات القسم الدستوري أمام أعضاء المجلس النيابي وفي المناسبات الوطنية.

سليم حيدر يتكلّم على دولة القانون بوصفها الدولة الحديثة أو العصرية، دولة العدالة والمؤسسات والمواطنية والتخطيط والتنفيذ لمصلحة الشعب، ثمّ يطرح السؤال الآتي:

كيف يجب أن نبني هذه الدولة؟

ويجيب:

بالطبع ليس " بالمداورات والمناورات والمساومات والتسويات.." فتلك في رأيه بهلوانيات سياسية. هذه البهلوانيات هي السمة الغالبة على أداء معظم القوى السياسية في الواقع اللبناني الراهن فضلاً عن ممارسات الكيد السياسي.

وبالطبع كذلك لا تبنى الدولة كما هو الواقع بالصفقات والسمسرات والاختلاسات التي، وفاق ما يقول: "تنهش في جسم الدولة."

بناء الدولة، كما يراه سليم حيدر، بناء عضوي ينتج الدولة الوحدوية. وليس، كما يراه البعض أو يريده أو يعمل له ويسعى إليه منذ اندلاع الحرب في لبنان حتى اليوم، أو كما هو بناؤها الحالي، بناء تركيبياً نتيجته قيام الدولة المركّبة. وثيقة الطائف جمعت الشكلين معاً في دستور واحد. وحقيقة ما يجري من تجاذبات وتقاسمات في مستوى السلطة القائمة باسم الميثاقية والديموقراطية التوافقية سوى تعبير واضح عن هذا البناء التركيبي (فيدرالية الطوائف) وما الكلام على المثالثة حتى المسادسة وما بينهما فضلاً عن الكلام على المداورة في تسلّم الرئاسات سوى أغطية لمسمّى واحد: الفيدرالية.

بقي لنا من رموز الدولة الوحدوية الجيش الوطني والليرة اللبنانية.

أراد سليم حيدر بناء الدولة الوحدوية القويّة لا الدولة التي هي بمثابة " متنزّه دولي ومتجر عالمي وبورصة مفتوحة."

منذ تكوينها حتى اليوم ألم يردها البعض بهذه التوصيفات المستجيبة لرغبات العقلية الربحية على حساب الدولة المحصّنة بقوّة جيشها وشعبها؟

أوليست قوّة لبنان في ضعفه هي المقولة المذلّة التي تستجدي الحمايات الخارجية بعيداً من أيّ اعتبار أو فهم لواقع لبنان الجيوبوليتيكي فضلاً عن التزاماته القومية؟

سليم حيدر ينقض هذه المقولة الواهمة بقوله:

" كأنّ إسرائيل ليست على حدودنا.. كأنّنا لسنا بحالة حرب معها... كأنّ رقعة أرضنا ليست بكاملها في مطامع قراصنة إسرائيل، ضمن خريطة إسرائيل المقبلة.."

أمّا بشأن الحمايات الخارجية التي ما زالت تنخر في أذهان البعض فله منها موقف:

من البلاهة الاعتقاد "أنّ اعتداء لن يحدث علينا من أحد لأنّ الدول الكبرى متّفقة على بقائنا."

لقد كثر البلهاء في هذا الزمن فأوهموا الناس أنّ ثمّة مظلّة دولية تحمي الدولة من السقوط والسلم الأهلي من الانهيار! بأشدّ التعابير صراحة يقول:

"خيمة الأمان على لبنان خرافة."

"ما يدفع عنّا غائلة الغد أن نصبح دولة بالمعنى الكامل."

ماذا يعني بعبارة "دولة بالمعنى الكامل"؟

يأتينا الجواب عبر سؤال تاريخي يطرحه: "منذ أصبحنا دولة مستقلة ماذا فعلنا لبناء دولة حديثة"؟

من هنا نفهم أنّ الحداثة شرط اكتمال الدولة.

والدولة الحديثة في الفقه السياسي المعاصر هي دولة الحق والمؤسسات وحكم القانون والشفافية...هي دولة مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، هي دولة العدالة وتكافؤ الفرص، هي دولة القضاء المستقل والنزيه.... هي الدولة المدنية، دولة الحريات الإيمانية والعقائدية، دولة حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والأمنية... هي دولة العلم والتكنولوجيا والتخطيط والحوكمة الرشيدة والتنمية المستدامة... هي الدولة الحرة السيّدة المستقلّة والقادرة على حماية حدودها وثرواتها الطبيعية ومصالحها الوطنية... هي دولة المشاركة في إدارة الشأن العام وفق آليات الأنظمة الديموقراطية...

عملاً بأحكام هذه المعايير يستوي السؤال الذي طرحه سليم حيدر: "ماذا فعلنا لبناء دولة حديثة"؟ وكذلك يصحّ جوابه: "لم نفعل شيئاً..."

هذا الجواب نفسه يثبت سلامته على طارحي السؤال نفسه في المرحلة الراهنة.

  • ·من قضايا مرحلة ما بعد الطائف حتى اليوم إعادة تكوين السلطة

تنبثق السلطة في الدولة الحديثة من إرادة الشعب.

نائب "الشعب النبيل"، بتعبير سليم حيدر، "ليس من صنع الزعماء والمتنفّذين والمتموّلين والسماسرة والمتدخّلين الأجانب.."

إسقاطاً على نوّاب مرحلة ما بعد الطائف حتى الإنتخابات الأخيرة (2018) نسأل:

كم عدد النوّاب الذين كانوا أو هم الآن من "صنع الشعب النبيل"؟

من يسميهم سليم حيدر زوّروا إرادة الشعب وأقاموا سلطات قانونية ولكنها وفق معاييره غير شرعية زد إلى تلك المعايير معيار التعيين والمحادل ونسب المقترعين المتدنية إلى 15% في انتخابات 1992 وإلى 48% في انتخابات2018

فبديل أن تكون الإنتخابات "فرصة للتعبير عن إرادة الشعب"، كما يراها سليم حيدر، كانت فرصاً متتالية لتمكين من سمّاهم آنفاً من تزوير تلك الإرادة.

من كانوا ومن هم من "صنع الزعماء والمتنفّذين والمتموّلين والسماسرة والمتدخّلين الأجانب" مسؤولون عن:

-         "فقدان هيبة السلطة"

-         "تفتيت الشعور الوطني"

-         (عمّا) لم يصل إليه لبنان من وحدة عضوية ومن مناعة ذاتية"

-         "تكوين المواطن الصالح"

-         "العدل بين الطوائف سبيلاً إلى إلغاء الطائفية"

-         "العدل بين المناطق"

إنّ سلطة مسؤولة، بمكوّناتها كافة ومستوياتها كافة،عن تلبية هذه المتطلّبات الوطنية هي سلطة فاشلة.

  • من قضايا مرحلة ما بعد الطائف حتى اليوم مواجهة التحدّي الإسرائيلي

في الوقت الذي كان يرى البعض أنّ إسرائيل لا تشكّل أي خطر على لبنان ما لم يستفزّها السلاح الفلسطيني آنذاك وصواريخ الكاتيوشا والعمليات الفدائية التي كانت تنطلق من جنوب لبنان كان سليم حيدر يرى في وجود إسرائيل تحدياً وجودياً للبنان ويدعو إلى وحدة المواجهة رافعاً شعار البندقية الفلسطينية (العمل الفدائي) السلاح الأمضى في هذه المواجهة.

هذا الخطر الوجودي وكيفية مواجهته إشتدّ السجال بشأنهما بين اللبنانيين في مرحلة ما بعد الطائف وما زال حتى اليوم بالرغم من إنجازين حقّقهما سلاح المقاومة، تحرير العام 2000 وصمود العام 2006 ، وأحدثا تحوّلاً تاريخياً واستراتيجياً في الصراع العربي/الصهيوني وثبّتا دور لبنان المتعاظم في قلب هذا الصراع.

من اللبنانيين من زال يعتقد أنّ إسرائيل لا مطامع لها في لبنان لا في احتلال أرضه ولا في تدمير كيانه ولا في نهب ثرواته...!

هؤلاء، تالياً، لا يسلّمون بجدوى سلاح المقاومة لا بل أكثر يطالبون بين الفينة والأخرى بنزعه تحت شعار حصرية السلاح بيد الدولة، ويرفضون كلّياً ثلاثية الجيش والشعب والمقاومة.

بعد العدوان الصهيوني على مطار بيروت في العام 1968 طرح سليم حيدر السؤال الآتي: ماذا فعلنا لدرء خطر إسرائيل؟

جوابه بالطبع لم يكن بتثبيت معادلة " قوّة لبنان في ضعفه " فالعدوان، كما يقول، "كشف لنا أنّنا لسنا دولة" وأعاد "خلقنا خلقاً جديداً.." جوابه يعني أنّنا لم نفعل شيئاً. لم نبن لا الدولة القوية ولا المجتمع المقاوم..

إنّ بناء الدولة القوية والمجتمع المقاوم وفق المعايير التي وضعها سليم حيدر يبقى من أولويات المرحلة الراهنة ونداءات الحاضر لمواجهة الخطر الجاثم على الحدود. هذا الخطر لا يواجه، كما يقول، بسياسة النعامة بل بمؤتمر وطني ربّما ما زال في رأينا، وفي هذا الظرف بالذات التي تتعاظم فيه التهديدات الإسرائيلية للبنان، من شروط الضرورات الملحّة فالخطر يدهم الجميع والعمل البناء، يقول سليم حيدر، ينهض به الجميع.

سليم حيدر لبناني عربي إنساني يفكر ويعمل بهوية واحدة مكتملة الأبعاد. لبنانيته لا تنتقص من عروبته وعروبته لا تنتقص من لبنانيته والبعدان معاً يغتنيان وينموان بالقيم الإنسانية.

وفي مرحلة اشتدّ فيها التنازع بين القطرية والقومية أو الانتماء القطري والانتماء القومي حسم سليم حيدر الإتّجاه بقوله:

"بقدر ما يكون الانتماء الاقليمي (الوطني) وثيقاً بقدر ما يتوثّق الانتماء العربي (القومي)

"وبقدر ما يكون الانتماء العربي واعياً بقدر ما يتحقّق الانتماء الاقليمي.."

إشكالية ما زالت مطروحة في غير قطر عربي وهي اليوم تزداد تعقيداً في صراع الهويات مادون الوطنية فكيف يكون الأمر في صراع الهويات مادون القومية!

وثيقة الوفاق الوطني حسمت هوية لبنان العربية وانتماءه العربي ولكن حتى اليوم ما زالت حرب الهويات قائمة في مستوى أدنى بكثير من الهويّة الوطنية وذلك وفق معيارين وضعهما سليم حيدر:

-         ضعف الانتماء الوطني الوثيق

-         ضعف الانتماء القومي الواعي..

ويوم حاولت فئة من اللبنانيين الاستئثار باللبنانية هوية ودولة وثقافة كان نداؤه، وما زال نداء الحاضر، "لبنان للجميع"..

لو سمع هذا النداء من كان عليه أن يسمع لما وقعت حرب في لبنان ولو يسمع اليوم من عليه أن يسمع لجنّب لبنان أسباب الحروب المتتالية..

رحم الله أصحاب العقول والضمائر..